من دروس التاريخ التونسي في الصراع القرطاجي الاغريقي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 20 مارس 2019 - 7:48 صباحًا
من دروس التاريخ التونسي في الصراع القرطاجي الاغريقي

معركة آلاليا: الصراع القرطاجي الاغريقي


من الوقائع المجهولة في التاريخ القرطاجي هي وقائع الصراع القرطاجي الاغريقي في المتوسط و الذي وقع تناسيه تماما في ظل التركيز على وقائع الحروب البونية و خاصة الهرب البونية الثانية، و المتأمل في التاريخ بإمكانه تحليل وقائع هذا الصراع للخلوص لنتائج بإمكانها إيضاح بعض الأسئلة حول “كرطاج” و مجمتعها و طبقتها السياسية.
من الوقائع المجهولة في الصراع القرطاجي الإغريقي هي معركة آلاليا البحرية : ماهي ظروف نشوب هذه المعركة ؟ ماهي وقائعها ؟ و ماهي نتائجها ؟ و ماهي أبرز الملاحظات و الإستتنتاجات المتعلقة بها ؟

۞ ماهي ظروف نشوب هذه المعركة ؟

كان الحوض الغربي للمتوسط مسرحا لتوسع تجاري فينيقي و يوناني و قد تطورت الأساكل الاغريقية و الفينيقية لتشكل مستوطنات و مدن مستفيدة منخلو هذه المنطقة من القوى بحرية أو السياسية المهيكلة فالكلت، الشعوب الإيبيرية، الشعوب الامازيغية، الليغوريين، لم تتنظم لتنتج هيكلا سياسيا: مدينة/دولة، مملكة، إمبراطورية، إلخ… يقوم بتحجيم التوسع التجاري و التحكم فيه.

و قد ساهمت حركات الهجرة المتعددة: هجرات شعوب البحر، الفرار من الخطر الاشوري، النزوح نتيجة الضغط السكاني في صياغة الحوض الغربي للمتوسط حول ثلاث قوى:

1/ الحلف الإترسكي في شمال إيطاليا و يضم قرابة 12 مدينة/مستوطنة تقوم بالتوسع في المجال الإيطالي (جنوبا نحو كامبانيا و هضبة اللاتيوم و شمالا نحو سهول البو) و يمتلك هذا الحلف أسطولا بحريا،

2/ الفوسيون و هم مهاجرون اغريق من منطقة آسيا الصغرى أسسوا مدينة ماساليا (مرسيليا الحالية في جنوب فرنسا) و قاموا بإيجاد مستوطنات في المنطقة ( الجنوب الفرنسي و منطقة كاتالونيا في إسبانيا) و إمتلك الفوسيون أسطولا بحريا موجها للقرصنة،

3/ الحلف القرطاجي و يضم المستوطنات الفينيقية و القرطاجية في الحوض الغربي للمتوسط تحت سيادة و زعامة مدينة كرطاج و يمتد هذا الحلف من خليج السرت للمحيط الاطلسي و شبه الجزيرة الايبيرية و جزر المتوسط و يعتمد على أسطوله البحري في النقل التجاري و العسكري،

وقد إرتبط الإتروسكيون و القرطاجيون بمعاهدات تجارية (تدعمها الموجودات الاثرية خاصة صفائح بيرغي الذهبية) متعددة تخول للتجار حرية في الإبحار و ممارسة التجارة و تمنحهم حماية الأسطولين.

مثّل الحضور الاغريقي المتوسع تهديدا لتجارة كرطاج: فالفوسييون انشئوا مستوطنات في كورسيكا و تاجروا مع شعبها و من ثم انشؤوا مستوطنة في إسبانيا و صاروا يتاجرون مباشرة مع الأقوام و الأهالي و الشعوب بدون الحاجة لوساطة قرطاجية، وقد إقتربت حركة استيطان الفوسيين من مناطق إنتاج المعادن في إسبانيا و بإمكانها إيجاد منافذ لها في المحيط لتصل لجزر القصدير (الجزر البريطانية) بما يعني ضربا للمصالح التجارية القرطاجية؛

۞ ماهي وقائع هذه المعركة ؟

منع الأسطول القرطاجي كل السفن المتوسطية من تجاوز أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق)، وذلك حماية لمصالح محتكري تجارة المعادن: الفضة، القصدير، الذهب القرطاجيين & لكن المنافسين التجاريين الفوسيين نجحوا في إيجاد طرق أخرى تجمع الإبحار في الانهار و السير برا للإتصال بالغاليين و الايبيريين و المتاجرة معهم كما أن الفوسيين قاموا بالتحالف مع القوى الإغريقية الاخرى في جنوب إيطاليا و في صقلية بشكل مكنهم من السيطرة على مضيق مسينا و التحكم في حركة التجارة بهذه المنطقة عبر فرض الرسوم و الضرائب و القرصنة.
و تعتبر هذه الظروف دافعا لشن حرب إتروسكية قرطاجية ضد الفوسيين، و قد كانت هذه الموقعة بحرية بالأساس:

. دارت المعركة في سنة 535 ق.م أو 540 ق.م،
. تواجهت قرابة 60 سفينة قرطاجية و 60 سفينة اتروسكية ضد ستين سفينة فوسية،
. وقعت المعركة في المياه القريبة من جزيرة سردينيا أو جنوب جزيرة كورسيكا،
. تحمل القرطاجيون عبئ المعركة حيث فقدوا عددا كبيرا من سفنهم و ألحقوا خسائر كبيرة بالفوسيين (قرابة 40 سفينة فوسية تم اغراقها)،
. عسكريا فإن الفوسيين ربحوا المعركة بثمن باهظ : فقدان الثلثي الأسطول.

۞ ماهي نتائج هذه المعركة ؟

إثر هذه المعركة تفطن الفوسيون لعجزهم عن مواصلة التجارة، أو القتال بعد فقدان ثلثي قطع اسطولهم فتم إخلاء مستعمرة “ألاليا” في كورسيكا بشكل شبه كلي و إتجه بعض سكانها للجنوب الإيطالي حيث اسسوا مستعمرات في منطقة “كالابريا” فيما دعم بعضهم مستعمرة ماساليا في جنوب بلاد الغال (مرسيليا الحالية)، و قد جدد القرطاجيون معاهداتهم مع التروسكيين بشكل ذهبت فيه كورسيكا للاتروسكيين بينما سيطر القرطاجيون على جزيرة سردينيا و دعموا حركة الاستيطان بها،
دعمت كرطاج من سيطرتها على حركة الملاحة بالمتوسط و اثبتت جدارتها بزعامة المستوطنات الفينيقية في هذه المنطقة، كما سارعت ببعث مستوطنات خاصة بها في الجزأ الغربي من صقلية و في سردينيا، و قامت بتحجير التجارة على التجار الاغريق في مناطق نفوذها الجديدة،
بقيت السيطرة اليونانية على مضيق مسينا قائمة و تدعمت حركة الاستيطان الاغريقي في جنوب شبه “الجزيرة الايطالية” و شرق “صقلية” ممهدة لحلقات اخرى من الصراع القرطاجي الإغريقي، كما أن مدينة “مساليا” رغم تراجعها الاقتصادي و السياسي إلا أنها بقيت ممثلة للحضور الاغريقي بهذه المنطقة (سوف تتحالف هذه المدينة مع القوة الصاعدة روما في وقت لاحق)؛

۞ ماهي أبرز الملاحظات و الإستتنتاجات المتعلقة بهذه المعركة ؟

كمتأمل للتاريخ، فإنه لايمكنني سوى توجيه نقد لاذع للسياسة القرطاجية من حيث:
. عدم تطويرها لتقنياتها الملاحية : خسارة المعركة البحرية في “ألاليا” يثبت إمتلاك كرطاج لاسطول كبير من حيث عدد القطع و لكن تعوزه الكفائات (الأميرالات) و تعوزه التقنيات المتطورة (تفطن الرومان لهذا في مناسبات لاحقة)؛
. التركيز على ضمان التفوق البحري عبر إغلاق مضيق جبل طارق رغم توصل الفوسيين في “ماساليا” للتجارة مع الإيبيريين و الغاليين عبر الطرق البرية و الإبحار في الأنهار & إهمال ضرورة ضم أو تحطيم المنافس التجاري: بقي الفوسيون في “ماساليا” و في شمال “ايبيريا” و تحالفوا مع الاغريق في “شرق صقلية” و “جنوب إيطاليا” و مارست المدن المنافسة لتجارة كرطاج اعمال القرصنة و الإستيطان في المجال القرطاجي : دور مدينة “سيراكوز”، الاغريق و تأسيس مستعمرات في “ليبيا”، إلخ …
. عدم بنائها لمجال بري لنفوذها لحدود هزيمتها في الحرب البونية الاولى على يد روما،
. إكتفائها بتنظم إقتصادي بسيط : تجارة المقايضة في وقت عرف فيه العالم القديم ظاهرة النقود : أقدم عملة في المنطقة تعود للقرن السابع قبل الميلاد في ليديا (تركيا الحالية) و تم إستعمال العملات في العالم اليوناني المتوسطي في نفس هذه الفترة لكن كرطاج لم تقم بإصلاحها النقدي إلا في القرن الرابع ق.م.

==> لم تسع كرطاج لمواكبة التطورات السياسية، العسكرية، التقنية و الإقتصادية و كان لهذا القعود عن التقدم دور مهم في المصير المؤلم لهذه الحضارة العظيمة؛

تساؤل بريئ : إلى أي مدى يتوافق القعود القرطاجي الرافض للتقدم مع الركشة التونسية المعاصرة و رفض التقدم ؟ هو مبحث تاريخي او انثروبولوجي خطير و ممتع لو يتصدى له المختصون.

ـــــــــــــــالمصادر:

ALALIA AND THE AFTERMATH ; by Gregory Douglas Wear ;

موقع mysteriousetruscans.com

Gras, M., Marseille, la bataille d’Alalia et Delphes. Dialogues
d’histoire ancienne

Véronique Krings, Carthage et les Grecs

 
 
 

Hits: 160

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.