محمد بيرم الخامس: من رجال الإصلاح التونسيين بالقرن19

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 30 سبتمبر 2018 - 8:10 مساءً
محمد بيرم الخامس: من رجال الإصلاح التونسيين بالقرن19

محمد بن مصطفى بن محمّد الثالث بن محمّد الثاني بن محمّد الأوّل بن حسين بن أحمد بن محمّد بن حسين بن بيرم؛ و جده الاكبر بيرم هو جندي قدم في حملة سنان باشا على تونس سنة 1574 و إستقر بها؛ تعد عائلته عائلة علم و فقه حيث انها احتكرت إمامة جامع “سيدي يوسف” و اعطت ائمة لجامع “حمودة باشا” و جامع “باردو”.

ولد محمّد بيرم الخامس سنة 1840 بتونس و أبوه مالك عقاري كبير وموظف حكومي أما أمّه فهي بنت الجنرال محمود خوجة (وزير الحربيّة) و قت تزوج بنت عمّه محمّد بيرم الرابع و أنجب منها ثلاثة أبناء هم: محمود [توفّي صغيرا] ومحمّد الأزهر [مات في مصر في نهاية ق 19م] و مصطفى الأزهر، الذي تولى خطة قاض.

بعد أن أكمل دراسته في جامع الزيتونة تولى سنة 1857 خطة مدرّس حنفي من الطبقة الثانية، ثم تقدّم إلى خطّة مدرّس من الطبقة الأولى في عام 1868، كما تولّى مشيخة المدرسة العنقيّة إلى غاية 1878. وكان يحصل على مكافآت مقابل خدماته الإداريّة والدّيبلوماسية.

ولمّا ولي خير الدين الوزارة الكبرى اختار محمد بيرم الخامس أوّل رئيس لادارة الأوقاف (جمعيّة الأوقاف) حين بعثها سنة 1874. وذلك لتلافي الاختلاس والوضع الفوضوي غير المأمون في سير الأوقاف العمومية خاصّة. وكانت هذه الجمعيّة ترجع بالنظر مباشرة إلى الوزير الأكبر ثم ثمّ عيّنه خير الدين مديرا للجريدة الرسميّة “الرائد التونسي”، فجمع بينها وبين الاشراف على المطبعة الرسمية التي أنشئت في آخر عهد محمد الثاني باي؛ و يورد ما لقيه من المشقةفي هذه المهام كما يلي: << وهكذا بذلت فيها مستطاعي غير أني في ذاتي تحمّلت من الأتعاب الفكريّة والبدنيّة ما لم تتحمّله نشأتي، بل وكذلك الخسائر الماليّة(…) ولا أعدّ ذلك شيئا في جنب القيام بحقّ الوطن.>>

و في عهد محمد بيرم الخامس أصبحت الصحيفة فضلا عن مهمّتها و هي نشر الأخبار الرسميّة والبلاغات والقوانين الصادرة عن الحكومة التونسيّة، تنشر أفكار خير الدين وتدعو إليها و كانت هناك جرائد مثل “الايطالي” تطلق بين الحين والاخر شائعات يبثها أنصار الوزير الأكبر السابق مصطفى خزنه دار الذين فقدوا ما كانوا ينعمون به في ظلّ وزارة خير الدّين، لكن “الرائد” كانت بالمرصاد لهم. فحرصت كل الحرص على تفنيد الشائعات المروّجة حول إبعاد خير الدين عن الوزارة، ثم انتقلت من الدفاع إلى الهجوم على خزنه دار وطالبت بمحاكمته.
فكتب محمّد بيرم الخامس رسالة إلى “الرائد” يردّ فيها على مروّجي تلك الشائعات وعلى الصحف المأجورة التي تحاول مغالطة الرأي العام في الخارج حول طبيعة الوضع في البلاد، فكتب يقول: “قد عرض لي في هذه المدّة ما قضيت منه العجب، ولم أكن أحسبه يصدر عن ذي إنسانية ولبّ، فإنّي رأيت بعض النّاس يترجم في فصل منقول من إحدى الصحائف الأوروبية. ولعلّ ناشره كان مغرّرا به من أصحاب الأراضي والمنافع الخصوصيّة التي كانت تصل إليهم ويتمتّعون بها وإن أخربت بلادنا وأهلها”.

وفي عهد محمر بيرم الخامس اصدرت المطبعة الرسمية أربعة وعشرين كتابا منها مؤلفات مدرسيّة في مواد عصريّة معدّة لتلامذة المدرسة الصادقية إلى جانب جملة من البحوث الفقهية ومصنّفات أعلام ذلك العصر مثل إبراهيم الرياحي ومحمود قابادو و محمد بن خوجة والبشير التواتي و محمد البارودي.
و في المقابل كتب محمد بيرم الخامس في لجنة متركبة من تسعة أعضاء ترأسها خير الدين شخصيّا مهمّتها تنظيم المدرسة الصادقية، وكانت تضم كلا من محمد العزيز بوعتور (باش كاتب) والعربي زروق (رئيس بلديّة تونس) مع ستّة علماء من بينهم محمد بيرم المذكور & فيما يخصّ إصلاح المناهج الزيتونيّة وموادّ التدريس بجامع الزيتونة.
فقد أوكل خير الدين هذا الأمر إلى اللجنة نفسها التي سهرت على بعث الصادقيّة و التي انتهت من أعمالها بإصدار قرار مؤرّخ في 28 ذي القعدة 1292 / 26 ديسمبر 1875 يقضي بوضع حدّ للتجاوزات مثل الغيابات المتكررة للمدرّسين وإصلاح البرامج وما إلى ذلك وعرف بقانون خير الدين.

صورة غلاف كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

إضافة لهذه الأعمال ساهم محمد بيرم الخامس في إعداد بحوث لكتاب “أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك” كما أسهم في صياغته بإمداد خير الدين بالأمثلة والشواهد من مأثورات العلماء المسلمين لدعم حججه و تصويب اللغة والصياغة. وقد اعترف خير الدين نفسه في خاتمة أقوم المسالك بأن مؤلفه “قد خضع لعمليّة صقل أنجزها مثقفو البلد” و ولقد أتيحت لمحمد بيرم الخامس فرص عدّة لمشاهدة المؤسسات القائمة في بلدان إسلاميّة أخرى وفي البلدان الغربيّة من الأسفار الشخصيّة لأغراض مختلفة كالتداوي مثلا والبعثات الدبلوماسيّة.
وهذا واضح تماما في كتابه الضخم الموسوم بصفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار. و من البديهي أن تؤثر نهضة أوروبا وتمدّنها وثقافتها في الشيخ بيرم الخامس إلى حدّ لا يقلّ عن تأثيرها في خير الدين.

بسقوط حكومة خير الدين وهجرته إلى إستانبول، إنتهت محاولته التحديثية و أفل ذكر محمد بيرم الخامس عدا عن اسهامه في لجنة مختلطة في قضية هنشير سيدي ثابت التي قطعت فيها العلاقات بين تونس و فرنسا سنة 1878؛ و قد هاجر للشرق: البقاع المقدسة، ثم استانبول ثم استقر في مصر حيث سخر ما بقي من حياته للعمل الصحفي و لمهنة القضاء فهو أحد قضاة المحكمة الابتدائية الأهلية بمصر وصاحب جريدة الاعلام العربية فيها؛ و قد توفي بحلوان سنة 1889 ودفن فيها.

۩۞۩ من اثاره:
– صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار وهو كتاب في ميدان الجغرافيا السياسية.
– تجريد السنان للردّ على الخطيب رينان (مفقود) وهو ردّ على محاضرة رينان في سنة 1883 حول وقوف الاسلام ضدّ التقدّم العلمي.
– تحفة الخواص في حلّ صيد بندق الرّصاص، القاهرة 1303 هـ/1886م.
– الرّوضة السنيّة في الفتاوى البيرميّة (مخطوط).

 

المصادر:
– الموسوعة التونسية، منشورات بيت الحكمة.
– الشيخ محمد بيرم الخامس 1840 م ـ1889 م ل فتحي القاسمي.
– ترجمته في مقدمة كتابه المستودع بتصرف.

Hits: 596

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.