سيادة البحرية التونسية والجهاد على خليج ڨابس و سواحل صفاقس (1790)

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 14 مارس 2019 - 11:47 مساءً
سيادة البحرية التونسية والجهاد على خليج ڨابس و سواحل صفاقس (1790)

في هذا المقال نقل لوقائع الحروب و الغزوات البحرية في عهود علي باشا الأول و حمودة باشا الحسيني و التي جمعت المجاهدين التونسيين ضد اللمالطيين و البنادقة؛ مصدر المعلومات هو محمود مڨديش الصفاقسي و كتابه نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار.

 


۞ حروب صفاقس مع مالطة ۞


لمّا كثر جور أهل مالطة دمّرهم الله تعالى إستشار أهل الفضل بعضهم بعضا كالشّيخ النّوري ء رحمه الله تعالى ء وأضرابه في شأن جهاد هؤلاء الكفرة، ورأوا أنّه لا يكون إلاّ بإنشاء سفن مخصوصة تناسب القتال، فوافق على ذلك جلّ النّاس ورأوه حسنا شرعا، وطبعا لما رغّب الله فيه، وحماية لأرزاق المسلمين وأنفسهم، وإنّما / قام بهذا الفرض أهل صفاقس لأنّ لهم تعلّقا كبيرا بسفر البحر، فهم مضطرون للجهاد دنيا ودينا و لا قدرة لهم على تركه، قال تعالى: {قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}.

فلمّا إتفق أهل الفضل على إنشاء السّفن تعاونوا على الخير وبذلوا أموالهم إبتغاء رضوان الله، فأنشؤوا عدّة سفن، فوفّق الله رأيهم، فغنموا من الكفّار كثيرا، وقمع الله الكفّار.

ثمّ طالت الأيّام وتهشّمت تلك السّفن، ووقعت فتنة وشدّة، ومات أولئك النّاس، فرجع الكفّار لجورهم لأنّهم ء لعنهم الله ء ما زالوا على ما كانوا عليه من أذيّة المسلمين منذ خرجوا من رودس، فلمّا سكنت الفتنة وتراجع النّاس إنتبهوا رحمهم الله من أمر البحر فرأوا ما وقع من أذيّة الكفّار للمسلمين وعلموا أنّه لا يقمع شرّ هؤلاء الكفرة الفجرة إلاّ إنشاء غير تلك السّفن، فاتّفقوا على ذلك وأنشؤوا ثمان سفن، فأمن بهم البحر وانقطعت أذيّة الكفّار.

وعادة أهل البلد في غزوهم أنّهم مهما سمعوا بخبر بعض سفن العدوّ ضربوا طبلا على سور البلد فوق باب البحر وأجرى الرّؤساء سفنهم، وتسارع أهل الخير للنّزول للبحر، وأخذوا ما تيسّر من الزّاد وآلة الحرب، وركبوا في السّفن، فيسيرون طالبين آثارهم من رأس المخبز قرب طرابلس إلى قرب رأس أدار بتونس، فإن وجدوا عدوّا حاربوه، فإن قسم فيه النّصيب أخذوه، وإن فلت وفرّ تبعوه إلى بلاده أو إلى ما يقرب / منه، وإن لم يقسم النّصيب أو لم يجدوا عدوّا رجعوا لبلادهم سالمين مأجورين ، فغلبت السّلامة في البحر من طرابلس لتونس.

 


۞ حروب صفاقس مع البلنسيان وصولا لصلح سنة 18 ماي 1792 م ۞

ثمّ إنّ الباشا “علي باشا الأول” رحمه الله تعالى كان حربا على البناديق من النّصارى ويسمّيهم النّاس بلنسيانا، وبينهم وبين طرابلس صلح وهدنة ، فأمر الباشا رحمه الله أهل صفاقس بالمسير لرأس المخبز فإذا وجدوا مراكب البلنسيان تشحن بالملح تربّصوا بهم حتّى يفارقوا المرسى ويسيروا فبعد ذلك يتبعونهم ويقاتلونهم، ففعلوا ذلك وغنموا منهم سفنا غير أنّهم ربّما عاجلوهم عن الخروج من المرسى فيهجمون عليهم ويأخذونهم قبل مفارقتهم الميناء التي هي في أرض طرابلس فيردّهم الباشا، فخاف الكفّار من صفاقس فاستعدّوا وصاروا لا يأتون إلاّ بأكبر مراكبهم في أقوى العدد والعدد.


ففي سنة ستّين ومائة وألف (1747) جاء منهم مركبان في غاية الكبر والقوّة والمنعة، فأمر الباشا بالذّهاب إليهما، فركب النّاس في ثمان سفن وتوجّهوا نحوهما، فسمع النّصارى بتوجّههم إليهم فتأهّبوا للقاء المسلمين فربطوا إحدى السّفينتين على الأخرى بحبال في غاية الثّخانة والقوّة حتّى تعسّر المرور بين السّفينتين، ووضعوا أثقالهم في الشّقّ غير المواجه لسفائن المسلمين، فارتفع الشّقّ الآخر المقابل للمسلمين فصار علوّ مراكبهم يحاذي رؤوس قلوع سفن المسلمين، فلمّا وصلت سفن المسلمين قريبا من العدوّ وصاروا رأي العين بادر المسلمون / بالحرب، ولا علم عندهم بما فعله الكفّار من إمالة مراكبهم وحسبوا أنّهم من الجانبين في ذلك العلوّ على حدّ السّواء فاشتغلوا بالحرب عن تدوير السّفن للجانب الآخر، وكان الرّيح في ذلك اليوم ساكنا، فكثر الكور والبندق والحوارق من الجانبين حتّى أطبق الجوّ وصار النّهار ليلا من ظلمة الدّخان، وصمّت الآذان من صوت الصواعق، وفشا القتل والجراح في الفريقين وحسبوا أنّه الفناء، فأيس كلّ فريق من نفسه، وانقطع طمع المسلمين في أخذ الكفّار، ففارقوهم وحلّوا قلوعهم ورجعوا لبلادهم بما نالوا من أجر الجهاد وشهادة من استشهد، وكان عدّة الشّهداء أربعين والجرحى ستّين، ووقع في الكفّار مثل ذلك وأكثر منه، وما منع المسلمين من أن ينالوا الكفّار إلاّ علو مراكب الكفّار، فصاروا يرمون على المسلمين من علوّ، ولا ينال المسلمون منهم إلاّ من أظهر رأسه من الطّيقان، فكلّ من أظهر رأسه أصابوه، وطلعوا في رؤوس القلوع يرمون منها ما قدروا عليه، وكان رجوع المسلمين لصفاقس آخر يوم من شعبان سنة ستّين ومائة وألف(5 سبتمبر 1747).

ولمّا سافرنا لبرّ المشرق ونزلنا بلادهم على الصّلح، فرأيناهم صوّروا مراكبهم وسفائن صفاقس قادمة عليهم وصورة الكور والحرائق والدّخان، وأبقوا ذلك مصوّرا في كنائسهم، ووجدنا بعضهم أعرج، فسألناهم عن سبب عرجهم فقالوا: واقعة رأس المخبز، فذلك دليل على عظم / مصابهم.

وأنشد في هذه الواقعة أبو عبد الله محمّد الخميري عفا الله عنه هذه الأبيات وكتبت على ضريح المعلّم أسطى أحمد السيالة رحمه الله تعالى وهي:

الحمد والشّكر له تعالى
هذا ضريح أحمد السّياله
هذا شهيد المعترك في الغزو
من قبل رمضان بيوم يحوى
في عام ستين وألف ومائه
فيا لها من غزوة مستكمله
بها قد استشهد أربعون
عدة جرحاهم بها ستّون
يا ربّ سامح جمعهم والحقنا
بهم على الإيمان واعف عنّا

ولمّا رأى البلنسيان ما حلّ بهم وانقطع طمعهم من رأس المخبز لما خافوا إن عادوا أخذوا سارعوا لطلب السّلم مع سلاطين تونس، ولمّا سمع أهل مالطة بهذه الواقعة فرحوا وانتهزوا الفرصة، فخرجوا لفسادهم في البحر وظنّوا أنّ أهل صفاقس أصابهم قرح يفشلهم مع أنّ أهل صفاقس نزّلوا الشّهداء ودفنوهم والجرحى للعلاج، وضربوا طبلهم على الفور وخرجوا في طلب الكفّار في كلّ جهة، فالتقوا بمركب فرنجي سلما فارقهم وجد سفن المالطيين فسألوه عمن لقيت، قال: لقيت سفن صفاقس، فرعب المالطيون ورجعوا مذمومين مدحورين، وأيسوا من بحر صفاقس.

وفي سنة خمس وتسعين ومائة وألف وقع الطّاعون بأرض مصر فاكترى أهل صفاقس مركبا من ريس من جنس البلنسيان، وشحنوه بالغزل والكتان والقماش وغير ذلك من بضائع مصر، وركب بعض التجّار / بها من أهل صفاقس وغيرهم وتوجّهوا لصفاقس، وبلغ خبر الطّاعون لسلطان تونس سيدي حمّودة باشا ء دام علاه ء فكتب لقائد صفاقس المرحوم القائد بكّار الجلّولي ء رحمه الله برحمته الواسعة وعفا عنه وأمره بأن لا يقبل من أتاه من برّ مصر وأن يوجّهه لتونس ليبقى تحت نظره مخافة من المسارعة بالنزول والدّخول للبلد فربّما يكون فيه ضرر على المسلمين لقوله عليه الصّلاة والسّلام: «لا يورد ممرض على مصح» أو كما قال عليه الصّلاة والسّلام: «وإن كان الحقّ لا عدوى خوفا من ضعف يقين بعض النّاس فيفتتن في دينه» فحسم الشّارع المادة.

وعادة السّلاطين بتونس أنّ من كان به من الطّاعون يمنع النّزول حتّى تمضي عليه أربعون يوما فإن مات منهم أحد استظهروا بأربعين أخرى طمعا في السّلامة ونجاة الخلق، وحكم الفرار من الطّاعون والقدوم عليه معلوم وهو المنع، أمّا القدوم عليه فلأنّه يحرق القلوب، فعدم القرب منه أريح للسّرّ، وأمّا الفرار منه فلا فائدة فيه فإنّه في عنق الفار ولا يفيده الفرار شيئا.

وكان القائد رحمه الله تعالى شديد الحرص على تتبّع أمر السّلطان، وأمّا المركب فإنها لمّا سافرت من إسكندرية وتلجّجت البحر وقع في أهلها الطّاعون ومات منهم كثير من النّصارى والمسلمين، ومات ريس المركب فخلفه ولده، فقام بأمر المركب، (ولمّا مات أكثر النوتية من النّصارى) وتعطّلت أحوال المركب / وخاف الباقي الهلاك إلاّ أنّ النّاس مسكوا قلوبهم وتعاونوا على السّفر وإجراء المركب، فما زالوا على أسوإ حال حتّى بلغوا صفاقس بعد التي واللتيا، فمنعهم القائد من البقاء بالمرسى وأمرهم بالتّوجّه لتونس تحت نظر السّلطان فأبوا وقالوا: نحن أشفينا على الهلاك، فكاتب السّلطان فأكد عليه عدم قبولهم، فبلغهم ما أمر به السّلطان فأبوا إلاّ البقاء، فتهدّدهم وتوعّدهم بأشدّ الأذى، فأيسوا وسافروا وفي ظنّ المسلمين التّوجّه لتونس فأبى النّصارى إلاّ الذّهاب لمالطة ء دمّرها الله ، فتنازعوا مع المسلمين في ذلك والمسلمون لا يعرفون السّفر، فما شعروا إلاّ وهم داخلون لمالطة ء دمّرها الله تعالى فسألهم أهلها: ما شأنكم؟ فعرّفوهم بحالهم فأمروهم بالخروج من مرساهم والسّفر حيث شاءوا، فامتنع النّصارى من ذلك فخوّفوهم بالحرق فلم يمتثلوا، فطلب المسلمون الذين في المركب من وكيل البلنسيان ويسمّونه قنصلا أن يكتري لهم نصارى يسافرون بهم، فقال: لم أجد من يسافر معكم، فسألوه أن يفتدي لهم أسارى ويعطوا لهم فداءهم فأبى، وحاصل الأمر أنّه تعذّرت الحيلة وتعسّر السّفر بوجه ما، ولم يرض أهل مالطة ببقائهم خوفا أن ينزل منهم أحد فيقع فيهم الطّاعون لأنّهم يقولون بالعدوى فلا شكّ عندهم في وقوعها، فلمّا رأوهم غير ممتثلين لما أمروهم به من الخروج جمع الكفّار بمالطة بعضهم بعضا لينظروا في أمرهم، فاتّفق رأيهم على نزول الآدميين وحبسهم في حبس يتعذر / الفرار منه في مكان منعزل عن النّاس وحرق المركب بما فيه من جميع الأمتعة عدا النقد، فأنزلوا النّاس وغمسوهم في الخلّ وبخّروهم ببخور نتن الرّيح يكاد يزهق الرّوح، وكرروا عليهم ذلك مرات متعدّدة، وحرقوا المركب بما فيه، هذا بحسب ما حكم به أهل الكفر، وأمّا المسلمون أصحاب المركب فإنهم غير راضين بهذا الحكم من النّصارى.

ولمّا فرغت مدّة الحبس والتّبخير أخرجوا النّاس وأمروهم بالسّفر لبلادهم، فطلبوا منهم كتابا للسّلطان بتونس أنّ الحرق كان من غير اختيارنا خوفا أن يطالبهم التّجّار بثمن أرزاقهم إذا ادّعوا منهم تفريطا، فامتنع النّصارى من ذلك، فاستجاهوا برسول مولاي محمّد الشّريف إبن مولاي عبد الله ء رحمهم الله وجعلنا في شفاعة جدّه صلّى الله عليه وسلم وكان قدم بخزائن الأموال في فكّ أسارى المسلمين من أيدي الكفّار حسبما مرت الإشارة إليه فتكلم مع النّصارى واعتذر للنّاس بأنّهم يخافون من المسلمين أن يدعوا عليهم تفريطا، فلم يزل بهم حتّى قبلوا شفاعته وكتبوا لهم بما يبري ساحتهم، ولمّا أخذوا الكتاب عمل قنصل البلنسيان على المكر وطلب منهم الكتاب ليطالع ما فيه ليعمل فيه على مكره، فأنكروه عليه، ثمّ قدموا لتونس وليس معهم إلاّ الذّهب فسلّموه لأصحابه، ورفعوا أمرهم للسّلطان وقد بلغه عملهم تفصيلا، فدعا وكيل البلنسيان بتونس وطلب ثمن بضائع المسلمين / لأنّهم ما رضوا بذهاب المركب لمالطة، وطلبوا من وكيلكم بمالطة أن يكتري لهم مركبا أو رجالا أو يفتدي لهم أسارى من أموالهم فأبى، وقائد صفاقس أمر رئيس المركب بالتّوجّه لتونس، فالذي يقدّره على السّفر لمالطة يقدّره على السّفر لتونس، فلمّا وقفت عليه الحجة إستمهل لردّ الجواب لبلاد البلنسيان فأمهل، وكتب لهم بذلك.

واتّفق أنّ مركبا مشحونا بأرزاق المسلمين رئيسه من جنس البلنسيان أيضا، فسرق النّصارى الذين به أكثر أرزاق المسلمين، ولما خافوا الفضيحة حرقوا المركب وزعموا أنّ ذلك من غير إختيار، فأثبت المسلمون عليهم سرقتهم وأنّهم حرقوه باختيارهم فطالبهم السّلطان بثمنها أيضا فصاروا مطلوبين بثمن بضائع المركبين، ولمّا وصل البلنسيان خبر المركب الأوّل توقّفوا أوّلا ثمّ همّوا بالطّوع بثمنه ولمّا بلغهم خبر المركب الثّاني نكصوا على أعقابهم وأبوا من بذل ثمن الأول والثّاني لكثرة أثمان بضائعهما، فقال لهم السّلطان: لا بدّ من دفع أثمان بضائع المركبين وإلاّ فلا عهد لكم عندي ولا ذمّة ويقع الحرب بيني وبينكم، فامتنعوا من بذل الأثمان ولجّوا في طغيانهم يعمهون، فقطع ما بينه وبينهم من العهد والذّمّة وأمر بحربهم، فجهزوا مراكبهم وجاؤوا يلتمسون الصّلح وبذل بعض المال وترك الباقي، فأبى عليهم إلاّ ببذل الجميع، فنشأت من ذلك حروب كثيرة في سنين متطاولة، فخرجوا سنة مائتين وألف إلاّ واحدا (1784 ء 1785 م) / في تسع مراكب في غاية ما يكون من الكبر {يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} فرموا على بنزرت وسوسة شيئا كثيرا من البونبة حتّى أذوهم أذى شديدا، ثم قدموا لصفاقس، فباتوا ليلة واحدة ورموا ما قدروا عليه، فحاربهم المسلمون ومنعوهم من القرب من البلد، فذهب عملهم سدى هباء منثورا، وما أصبحوا إلاّ مسافرين، وكأنّهم مكثوا على صفاقس تحلّة القسم وخرجوا خائفين، {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ}.

ولمّا دخلت سنة مائتين وألف (1785 ء 1786 م) استعدّ الكفّار بأقوى ما عندهم لقتال صفاقس بالخصوص فجمعوا كيدهم وعدّتهم وعددهم لما بينهم وبين صفاقس من العداوة السّابقة، وسمعوا أنّ البلاد قد أصابها من الطّاعون ما أصابها، فظنّوا أنّ البلاد تسوّغ لهم وأنّهم ينالون منها ما نالوا من بنزرت وسوسة، وكان اجتماعهم بمالطة فجعل كبيرهم يأمر بالمناداة (57) في مالطة ء دمّرها الله ء: من أراد الذّهب والفضّة واللؤلؤ والجواري الحسان والسّبي الكثير فليتوجّه لصفاقس، فهزأ به أهل مالطة لما يعرفون من حرب صفاقس وشدّة بأسهم على الكفّار ومحبتهم في القتال في سبيل الله وما لهم من تعوّد بمحاربة الكفّار.

وعادة النّاس إذا أرادوا قتالا في البحر أن يكون خروجهم زمن المصيف لأنّه أطوع لمزاولة آلات الحرب من المدافع والبونبات، غير أنّ هؤلاء الكفرة الفجرة خافوا إذا تأخّروا لزمن المصيف يستعدّ النّاس لقتالهم، وخدعهم أهل مالطة / بأنّ مرسى صفاقس أقاصير لا يكثر هيجان بحرها، فعملوا على الخروج أواخر الشتاء فبلغ السّلطان بتونس نصره الله أنّهم قاصدون خصوص صفاقس، فجهّز لها ما تحتاجه من مدافع النّحاس ومدافع الحديد والكور والبارود أحمالا محمّلة، وقناطير مقنطرة وجميع ما تتوقّف عليه المحاربة من كلّ شيء أكثره، وجهّز عدة رؤساء عارفين بصناعة الرّمي مع ما عليه أهل البلد من المعرفة، فكان نورا على نور، وأمر عربان الوطن بالنّزول على شطوط البحر وأخرج النّاس أهاليهم إلى البساتين، وحملوا إليها جميع أثقالهم وتركوا البلد كقلب أمّ موسى، فخاف أهل البلد إذا إشتغل الرّجال بالقتال أن يقع من العرب تسوّر على الحريم فكاتب السّلطان قائد العرب وعرّفه مهما يثبت أنّ أعرابيا دخل بساتين النّاس وأذاهم في حريمهم ليلا أو نهارا لأعذّبنه عذاب الهدهد، فقرأ عليهم كتاب مولانا السّلطان وحذّرهم بطشه وتوعّدهم بالوعيد الذي توعّدهم به السّلطان، فأعطوه عهودهم على الأمن والمسالمة، فعصمهم الله من المخالفة.

فلمّا كان خمسة عشر يوما من جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين وألف (4 مارس 1787 م) وافق ذلك أوّل يوم من الحسوم جاء الخبر من قرقنة أنّ مراكب البلنسيان قدموا وأنّهم سائرون لنحو صفاقس، فاجتمع أهل البلد قاطبة خاصّتهم وأهل الحلّ والعقد منهم وعامّتهم وقائد البلد يومئذ القائد أبو الثّنا محمود إبن المرحوم القائد / بكّار الجلّولي أعان الله الجميع على طاعته ووفّق الكلّ لصالح القول والعمل وحماهم من الخلاف والزّلل فاتّفق الكلّ على كلمة واحدة وعصمهم من التّنازع ولو في شيء يسير ممّا يوجب الفشل، فأحضروا أوّلا أمين المهندسين رئيس البناء أبا عبد الله أسطى محمّد إبن المرحوم أسطى طاهر المنيف، وكانوا ابتدأوا إسقالة في مقابلة مرسى المراكب ليمنعوا مراكب العدوّ من القرب للبلد ولم تكمل، فأحضروا جميع ما تحتاجه الإسقالة ممّا يتوقّف عليه القتال، وبات النّاس على ساق الجدّ فما أصبحوا إلاّ وقد أحكموا الإسقالة غاية الإحكام وأحضروا بها ما يتوقّف عليه القتال من مدافع وكور وبارود وعيّنوا بها من يصلح للرّمي، وكذا فعلوا ببرج النّار وهو البرج الذي في ركن البلد الشرقي الجنوبي وكذا ببرج الربض وهو أمام البرج المتقدّم وبباب البحر وبالحصار وبكلّ مكان فيه نكاية للعدوّ، ونصبوا خياما على الإسقالة وساحل البلد من شرقها وغربها وعمّروها بحملة القرآن، وتنافس النّاس في الإسقالة لأنّها جاءت في نحر العدوّ وهو متوجّه إليها بالقصد أكثر من غيرها، وعيّن لكلّ مكان من يقوم به من رماة وحرّاس وقرّاء وغير ذلك، ورتّب أهل الخير رجالا لحمل الماء لشرب النّاس ليلا ونهارا، وكثرت صدقات أهل الفضل، وواسى الغني الفقير، ورتّب أهل الفضل / بالإسقالة الطّعام لمن يبيت من الغرباء بالإسقالة وغيرها، وصارت الأرض كأنّها مسجد من مساجد الله {يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ}، فلا تسمع بها إلاّ تلاوة لكتاب الله، أو صلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم أو تهليلا أو تكبيرا برفع صوت ونشاط وحزم، إظهارا لعزّة الإسلام وإرهابا لأهل الكفر والضّلال، وإذا جنّ الليل ترك النّاس خيامهم فيذهب أهل الجانب الشرقي لأهل الجانب الغربي، وأهل الجانب الغربي لأهل الجانب الشرقي زيادة في الحرس وإيقاظا وتنشيطا، فمنهم الرّاكب ومنهم الرّاجل، ولا نوم لأحد بطول الليل، بل رباط مستمرّ ليلا ونهارا، فانتظم أمر النّاس والتأم شملهم طلبا لرضاء الله وإظهارا لكلمة الله العليا، وقمعا لكلمة الذين كفروا السفلى، فانتظر الكفّار سكون البحر والرّيح، فلمّا أحسّوا بذلك شرعوا في الحرب، فأنشؤوا أنشولات إثني عشر، وهي مراكب واسعة قصيرة الجوانب، ملؤوها بالرّجال وآلات الحرب من المدافع والبونبات ومهاريسها، ولهم مراكب يسمّونها هويات معدّة لرمي البونبة، فركّبوا مدافعهم ومهاريسهم وما يحتاجونه، وشرعوا في الحرب أوّل يوم من الزّوال إلى الغروب، فوقع الرمي من المسلمين والكافرين فصار الجوّ ليلا مظلما من الدّخان، فلا يسمع إلاّ صوت القوارع والصواعق / على وجه الأرض وفي جوّ السّماء، فكثر الرّمي من الجانبين وعجز النّاس عن الإحصاء لأنّه يخرج مع الوجه الواحد عدة وجوه من الجانبين دفعة واحدة لتعدّد أماكن الرّمي من الجانبين، وكلّما فرغ وجه عمّر غيره من غير فتور لأنّ على كل مدفع جماعة، فالبعض للمسح والبعض للتّبريد، والبعض للجرّ، والبعض للوزن لتعيين موضع الرّمي، والبعض لوضع النّار وغير ذلك، فما يفرغ المدفع إلاّ وداروا به كلّ من له عمل إستقبله، فأظهر الكفّار غاية طاقتهم ومجهودهم ظنّا أنّ ذلك يجديهم نفعا وحسبوا أنّهم يرهبون المسلمين بذلك، فخيّب الله أمل الكفر وكذّب ظنّهم، فما ازداد المؤمنون إلاّ نشاطا وجدّا واجتهادا، وأنزل الله عليهم النّصر وأفرغ عليهم الصّبر، وجعل المسلمون يتلقّون ما يرميه الكفّار من الكور فيلتقطه الأطفال والمتجالات ويجعلونه في المدافع ويرمون به الكفّار، فسقط عندهم البعض من ذلك، فسقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا فكان ما يرمونه وبالا عليهم، وكلّما رموا بونبة وسقطت صحيحة أخذها المسلمون وأفرغوا ما فيها من البارود، وصار المسلمون يرتقبون ما يسقط صحيحا يغتنمونه. والحاصل لمّا حاربوهم أوّل يوم ورأوا حربهم إستخفّوا بهم واستهانوا أمرهم، فمات من الكفّار شيء كثير، وعطب منهم شيء كثير، ولم يقتل في هذا اليوم / من المسلمين إلاّ ثلاثة: أبو عبد الله محمّد الشّهيد إبن الشّهيد المجاهد في سبيل الله حمّودة السّلاّمي، كان ممّن سبّل نفسه على الجهاد في سبيل الله، إنكسر عليه مدفع حديد في برج الرّبض، والثّاني أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن حسين مساعد أصابته كورة في جوفه بالإسقالة فاستشهد من ساعته، وضرب إثنان كلّ واحد بكورة في فخذه ورفع حيّا، ثمّ استشهد بعد أيام أبو العباس أحمد بن عبد اللطيف المصمودي، كان مارّا بالإسقالة فأصابته الكورة، وأبو عبد الله محمّد بن حمّودة القرمازي، أصابته كورة في برج النّار، وأمّا بعد ذلك فما أصاب أحد من المسلمين شيء إلاّ محمّد الجلباني أصابته كورة في برج الربض برأسه فاستشهد من ساعته، ولم يوجب قتل من قتل فزعا ولا رعبا بل استبشر المسلمون بذلك، وتلقوا أهلهم بالتّهنئة بنيل درجة الشّهادة، وسارعوا لدفنهم وحملوهم على أعناقهم بل فوق رؤوسهم متبرّكين بحملهم ء رحمة الله عليهم واحشرنا يا ربّنا معهم في زمرة الشّهداء والصّالحين.

ولمّا رأى الكفّار الذين نزلوا في الأنشولات ما حلّ بهم من المسلمين، وكلّما حاولوا القرب من المسلمين نزل عليهم عذاب الدّنيا {وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى} وضرب رئيسهم الذي يدبّر أمرهم في وجهه، وزال بغضه وانقطعت أطماع الكفّار، وعظم فيهم الرّعب والخوف / فبات المسلمون على مصافّهم منتظرين للقتال، فلمّا أصبح الصّبح أمر كبراء الكفّار رجال الأنشولات بالنّزول إليها ليقربوا من المسلمين بعض قرب فامتنعوا من ذلك وتنازعوا وقال كبراؤهم: أما اكتريناكم لهذا الأمر؟ فقالوا لهم: نحن ما حسبنا أن نلقى من صفاقس هذا الحرب، بل حسبنا أنّا من أوّل وهلة نرميهم فيفروا وننزل البلاد، وها نحن بطلت حيلتنا وضعفت قوانا، ومات أكثرنا، وتعطّب البعض منّا ولم نحصل على طائل، فقالوا لهم: أما ترون المسلمين ثابتين على دينهم يقاتلون؟ قالوا: المسلمون متحصّنون ونحن في أجفان ملقاة على وجه المّاء، فإن رميناهم لم يصبهم رمينا وإذا رمونا أصابونا، ما لنا بهذا القتال طاقة، فرفقوا بهم ووعدوهم أوعادا خدعوهم بها وزادوهم في العطاء كلّ ذلك خوفا من الفضيحة لا سيّما ومراكب بعض أصناف الكفّار المعاهدين حاضرون يعاينون، فأيس الكفّار من الظّفر بشيء من المسلمين، فجعلوا يتجلّدون ويظهرون التّشجّع بشيء لا يجديهم إلاّ خسارة الدّنيا والدّين وفضيحة العاقبة، وكان عاقبة أمرهم خسرا.

فصبر الكفّار عدّة أيّام حتّى أصلحوا ما انثلم من سفنهم وبرئ جرحاهم وأرسلوا مركبا لمالطة لتجديد زادهم من الماء والطعام إذ لا طمع لهم في النّزول لبرّ الإسلام لأنّ الأرض مشحونة بالمسلمين من كلّ ناحية، فلمّا سكن الرّيح وهدأ الجوّ عادوا لإفسادهم ولكن برمي ظاهر الضعف والفشل / فأظهر المسلمون القوّة والنجدة، ولو كان للمسلمين سفن تضاهي سفنهم ما أمهلوهم لحظة واحدة ولعاجلوهم بالأخذ، ثمّ إنهم فرّقوا أنشولاتهم على جهات شتّى ليشغلوا المسلمين، فساق المسلمون لهم مدافع في مقابلة ما تفرّق منها، ومنعوهم ممّا أرادوا فلم يمهلوهم يقربون من البلد، وجعلت الخيول تجول حول البلاد وعلى ساحل البحر من جميع الجهات.

واتّفق في بعض الأيّام أن قدم بعض صنادل من قرقنة فتلقّاهم النّصارى طمعا في أخذهم، فتسارع المسلمون لإنقاذهم بالخيل والرّجال في ساحل البحر، فحماهم الله تعالى {وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً} فلامهم كبراؤهم على أخذ الصنادل وهم في وسط البحر والمسلمون في البرّ، فقالوا لهم: رأينا خيولهم تركض في وسط الماء، وذلك لما ألقى الله في قلوبهم من الرّعب وهيبة المسلمين، ولمّا أيسوا من فائدة تعود عليهم من الأنشولات رجعوا لضرب البونبة من سفنهم الكبار بالليل، فعاجلهم المسلمون برمي المدافع فأفشلوهم وصار رميهم هدرا لوقوع أكثر ما يرمونه خارج البلد، وربما أصاب سور البلد شيء لا يضر، فيسارع النّاس إلى إصلاحه في أقرب من ردّ الطّرف فحمى الله سور المسلمين من أن يناله ما يؤذيه.

ولمّا أعيتهم الحيل والمسلمون لا يزدادون كلّ يوم إلاّ قوّة ونشاطا قال كبيرهم لعنه الله لرؤساء البونبة: إن أصبتم مأذنة المسلمين أو ناظورهم فلكم منّي كذا وكذا، وبذل لهم / مالا جزيلا في ذلك، فبذلوا جهدهم في ذلك ولم يحصلوا على طائل، فانقطعت آمالهم ولم ينالوا من المسلمين قلامة ظفر إلاّ صندل سمك تركه صاحبه بعيدا عن البلد لعدم إهتمامه به، وقيل إنّه طلع بالليل يتصيّد به خفية من النّصارى والمسلمين لأنّ المسلمين منعوا اصطياد السّمك خوفا أن ينال الكفّار منهم أحدا بسوء، فلمّا طلع الصندل ليلا أبصره الكفرة فنزلوا ليأخذوه، فلمّا أحسّ بهم نزل في الماء وجعل يسبح حتّى خلص، وأخذ الكفّار الصّندل، ولمّا رجعوا به لكبرائهم رأوا أن لا فائدة فيه، فرجعوا لمركب النّصارى المهادنين وقالوا لهم: أبلغوا المسلمين إن أحبّوا نرد عليهم صندلهم، فأجابهم المسلمون بأنّا ما تركناه في المكان الذي وجدتموه به إلاّ لعدم الحاجة إليه ونحن في غنية عن ألف منه ولنا منه كثير، وأمّا أنتم فقد صارت في وجوهكم فضيحة خسرتم أموالكم ورجالكم وترجعون لبلادكم بأسطولكم خائبين خاسرين من غير نتيجة، فهذه نتيجتكم أنّكم وجدتم صندل سمك لا قيمة له مهملا أخذتموه بهذا الأسطول وشجعانه فلا بدّ أن تصحبوه وتزخرفوه ليعظم صيتكم بهذه الغنيمة التي عجز عن مثلها أساطيل السّلاطين، أفّ لكم من قوم سفهاء لا عقل لكم ولا همّة.

ولمّا كانت ليلة النّصف من رجب عادوا لفسادهم ليلا، فلمّا بلغ رميهم قريبا من تسعين بونبة إنكسرت عليهم واحدة فقتلت رؤساء عملهم وعطّبت / منهم جماعة فبطل عملهم، وأصبحوا مسافرين فردّهم الله خائبين خاسرين لم ينالوا إلاّ خسارة الدّنيا والدّين. فكان مدّة مقامهم على البلد شهرين.

ومن أغرب ما اتفق في هذه الواقعة أنّه قدم قبلها بمدّة يسيرة رجل من بلاد السّوس إسمه الحاج محمّد السّوسي، وكان من العبّاد المتجرّدين وجاور بالحرم الشريف زمنا طويلا، فحضر هذه المواطن كلّها، وإنّه ملازم للإسقالة مدّة مقامه ليلا ونهارا، ويوم فرّق الكفّار أناشيلهم أخذ بيده سيفا وأشار بيده كالضّارب لأعناقهم مرّتين أو ثلاثا، ثمّ ناولني ذلك السّيف وأمرني بفعل ذلك مثل ما فعل هو فخرجوا ولم يرجعوا في الأنشولات حتّى سافروا، ولعلّ إشارته كانت لموت من انكسرت عليهم البونبة، ثمّ أخذه مرض حتّى خشينا عليه الموت، ثمّ تداركه الله باللّطف والعافية، ومدّة مرضه لم يقع من الكفّار حرب، فلمّا صحّ ورجعت له عافية حاربوا في الليلة التي انكسرت عليهم البونبة، فحضر تلك الليلة بعافية وسلامة، ولمّا سافر الكفّار سافر هو في ذلك اليوم، فسألناه عن ذلك فقال: لا بقي لي هنا مقام لأني البارحة رأيت سيّدنا عبد الله بن جعفر ء رضي الله تعالى عنهما ء إبن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه جماعة من المسلمين راكبين خيولهم، فقلت: ما شأنكم راكبين؟ قالوا: قد فرغ الجهاد من هذه البلاد فلا بقاء لنا هاهنا، فأنا الآخر فلا بقاء لي هنا، فسافر بعد ما أوصى بكثرة زيارة الإسقالة وعدم الغفلة / عنها وقراءة الفاتحة فيها لأنّه موضع إجتمع فيه أولياء الله، وبعد زمان قدم زائرا فمنع اليهود من الدّخول إليها وقال: هذا موضع الجهاد وتلاوة القرآن واجتماع الصّالحين لا يدخله اليهود.

ولمّا سافر الكفّار نزل رئيس مركب من الفرنسيس ومعه واحد من البلنسيان أسلم وأخبر بجميع ما حل بالبلنسيان من الموت والعطب وشدّة البلاء وجميع ما أصابهم وما وقع عليهم من أوّل الأمر، وأكثر ما يزيدهم قهرا أنّكم تحاربونهم وترقصون وتلعبون وتستبشرون وأنتم غير مكترثين بحربهم ولا سيما يوم سفرهم فإن المسلمين اتبعوه بالرمي بالكور، وخرج الكفّار وهم مذمومون مدحورون، والمسلمون في فرح وبشرى أن {رَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً}.

ولمّا دخلوا مالطة جعلوا يضحكون عليهم ويستهزؤون بهم وقالوا لهم: أين الغنائم والسّبايا التي كنتم توعدون؟

المسلمون في شأنهم وقالوا: ربّما استعدّوا بأقوى من هذا ورجعوا، فالأولى بنا أن نستعدّ للقائهم وأن نتّخذ أنشولات مثل ما عندهم، ونركب لهم فيها لمقاتلتهم، ونقمع بها أنشولاتهم ونقطع نكايتهم، فأمر السّلطان سيدي حمودة باشا دام علاه ونصره الله بإنشاء أربع أنشولات فهيؤوهم للقتال وأرسل الباشا علي القرمانلي، وفّقه الله لصلاح الدّارين عدّة مدافع إعانة للمسلمين، وكذا أرسل مهاريس لرمي البونبة، فازداد البلد / قوّة وعدة والمسلمون نشاطا وتأنّسوا بالحرب، وحصلت لهم جرأة قوية على العدوّ.

وفي سنة أربع ومائتين وألف يوم رابع شوّال (17 جوان 1790 م) قدم من البلنسيان عدّة مراكب للقتال في البحر، وأرسوا على قدر عشرين ميلا من البلد، وقصدوا قطع طريق المسلمين فركب لهم المسلمون في عدّة سفن تليق بحربهم، فوقع بين الفريقين حرب شديد، وكان يوما مشهودا حتّى ذهل فيه كلّ فريق عن الآخر، ومات من كل مركب من مراكب النّصارى وتعطّب منهم شيء كثير، واستشهد من المسلمين أربعون وجرح ما يقرب من ذلك. ولمّا اشتغل كل فريق بما أصابهم وعجزوا عن أخذ عدوهم، رجع المسلمون بما نالوا من أجر الجهاد وشهادة من استشهد، وانصرف الكفّار بما نالوا من عذاب الدّنيا، {وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى}.

وأنشد الأريب الأديب الشّيخ أبو إسحاق الحاج الأبر إبراهيم الخرّاط أبقى الله مهجته وأحسن عاقبته في هذه الواقعة ما كتب على ضريح الحاج الأبر أبي الثّناء محمود بن عمر، أحد الشهداء يومئذ رحمه الله تعالىهذه الأبيات:

هذا الضّريح المشتهر
فيه الشّهيد ابن عمر
محمود البرّ الذي
طاف وحجّ واعتمر
ومات في معترك الك
فّار من غير مفر
وأربعون جاهدوا
معه فماتوا عن أثر
يا ربّنا انفعنا بهم
بجاه سيّد البشر
تاريخه في رابع
من قرن ثالث عشر

وفي عشرين من محرّم سنة خمس ومائتين وألف (في سبتمبر 1790 م) قدم أربع مراكب من أكبر ما يكون للبلنسيان وأربع غلايط / وأرسوا على البلد، فاستعدّ النّاس لقتالهم وعمّروا الأناشيل الأربعة بالرّجال وآلات الحرب، وقبل إرسائهم قدم مركب من إسكندرية من جنس الفرنسيس فذهبوا إليهم وسألوهم عن سبب قدومهم فقالوا: فقدنا مركبين منّا أخذهما المسلمون فقلنا: أخذوهم أهل هذه البلد لأنّ لهم سفنا يأخذون بها محاربيهم، ونحن لهم حرب فلعلّهم أخذوا المركبين فقالوا: لعلّ غيرهم أخذهما، أمّا هذه الغنائم التي عندهم فمن صنف غيركم، فلمّا نزل الفرنسيسيون أخبروا المسلمين بخبرهم، فلم يطمئن النّاس لقولهم وباتوا مرابطين، فما أصبح الصّبح إلاّ وقد أقلعوا منصرفين {وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً}.

ولمّا أعيت الكفرة الحيل ولم يقفوا على طائل من محاربة المسلمين بل وقعوا في مهاوي التلف وخسارة الدّارين، وضيّعوا أموالهم، وقتلت رجالهم، وتشتّت آراؤهم، وتلفت أحوالهم، وغنم منهم المسلمون غنائم عظيمة، نكسوا على رؤوسهم وأعدّوا عدّة مراكب وقدموا لتونس طالبين الصّلح فاشترط عليهم السّلطان نصره الله بذل جميع ثمن المركبين وأموالا غيرها، فبذلوا جميع ما أحبّ ودخلوا في ربقة العهد والذّمّة طوعا أو كرها كغيرهم من أصناف الكفر من إعطاء كلّ سنة ما اشترط عليهم، والله تعالى ينصر مولانا السّلطان وعساكر الإسلام ويحمي الجميع من طوارق الحدثان، وألزم الكفرة الذلّة والهوان بجاه نبيّنا محمّد عليه أفضل الصّلاة وأزكى السّلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
محمود مڨديش الصفاقسي : كتاب نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظات عامة :

عن الحرب بين البندقية وتونس الواقعة في عهد حمودة باشا الحسيني أنظر:

كتاب روسو (Alphonse Rousseau, Les annales tunisiennes)

رشاد الإمام، سياسة حمودة باشا في تونس

بلانتي (Plantet __Correspondance).

تعويضات الحرب البندقية قيمته مائة ألف محبوب نقلا عن رسالة من ج. تريل، قنصل الانقليز إلى حكومته في 2 مارس 1787.

من شروط المعاهدة الّتي تمّت في 27 رمضان 1206/ 18 ماي 1792 م بين حمّودة باشا والبندقية شرط يوجب على البندقية دفع أربعين ألف محبوب كتعويض، وهدايا ثمينة تقدم لحمّودة باشا: ” وأخبر القنصل الفرنسي ديفواز (Devoize) حكومته بشيء يخالف هذا إذ ذكر أنّ المبلغ المتّفق عليه هو ثمانون ألف محبوب تدفعها البندقية بالإضافة إلى الهدايا”

يذكر روسو إعتمادا على نيسن (H. Nyssen) أن البندقية دفعت 40000 محبوب إلى المملكة التونسية.

Hits: 303

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.