الواقع القبلي التونسي في القرن 19 و الوعي الوطني/القومي التونسي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 20 أكتوبر 2017 - 4:02 مساءً
الواقع القبلي التونسي في القرن 19 و الوعي الوطني/القومي التونسي

 

“القيادة”، “العرش”، “الوطن” ..
تسميات يقصد بها الوحدة الإدارية المكونة لقسم من المجال: مدينة، قرية، عرش & لكن ها التسميات مشحونة برغبات في الحفاظ على خصوصية ذاتية من تسلط الدولة، و مشحونة بمعاني التحرر من هذه السلطة، و مشحونة بمعاني الولاء للقبيلة، العرش، العايلة …
فإلى أي مدى كان الواقع القبلي التونسي مرادفا للفوضى و لغياب الوعي بالمجال ؟

منذ أواسط الفترة الحفصية، ميز الاستقرار غالبية العروش و القبائل و تزايدت هذه الظاهرة مع المراديين فالحسينيين و أصبح التوطن ( = أي الإستقرارفي أوطان) هو السمة الغالبة على المجال الداخلي في بلادنا. (راجع مقالنا “المجموعات القبلية و إختيار الإستقــــرار التــونسة” )

ظاهرة التوطن مكنت من تطوير إرتباط المجموعات القبلية بالأرض و بالمركز السياسي و نتج عنها توسع كبير في المستغلات الفلاحية: تضاعف غابة الزيتون 10 مرات بين القرنين السابع عشر و التاسع عشر(¹) . و رغم رسوخ مظاهر إرتحال موسمية إلا أن وطن القبيلة مثل نقطة إرتكاز بها و نقطة إستدلال لها : وجود مقابر، روابط، زوايا، دور، أبيار في سنة 1874، إحتجت السلطة التونسية على قيام الفرنسيين بالإستيلاء على قطعة أرض “بير الكاهنة” تتبع عرش أولاد حمادي من الفراشيش مستندة أن وجود ” … مقابر الأجداد و عدة مزارات للشيخ سيدي حمادي تقضي بأن بير الكاهنة ليهم و أنه أرض تونسية لا محالة”.

إرتباط القبيلة بفضاء جغرافي محدد “ميّع” من صرامة بنيانها : إستقبالها لل “براني”، “الطيّاش”، تمكينه من تملك الأراضي، التزاوج مع أفراد القبيلة & بالتالي تحولت القبيلة إلى خلية جبائية و نسبة مرجعية.

إستقر التنظيم البشري للبلاد و إرتبط ب”الوطن” أي تراب القبيلة و بكرسي الحضرة التونسية اذن وجدت علاقات ملكية : عقود ملكية خاصة، رسوم تحبيس، ملكية عرفية، ملكية مشاعية & وجدت سوق تنظم التبادل التجاري و تنشر الأنتاج الثقافي & بانت الحاجة لسلطة تضفي الشرعية على هذا التنظيم : سلطة تقر رسوم الملكية و تصدر العملة و تساهم في حماية القبائل من تعسفات المعتدين و صار المعتدي في الغالب أجنبيا: السلطة الفرنسية في الجزاير.

أما العنف : أعمال الإغارة بين العروش، أعمال الإغارة على الواحات، أعمال قطع الطريق فعلى قدر ما تحيل على وجود غياب لمؤسسات رقابية وطنية أي تسيب المجال إلا أن هذا العنف كان: ظرفيا أولا و كان مقبولا عرفيا ثانيا أي أنه عرف تتبناه الوحدات الاجتماعية و يمثل مصدر وحدة تقافية بالنسبة لها :” نحنا نعيشو هكة “.

عرف أحمد باي الإغارة في إحدى رسائلة أنها: ” والقدرة على أخذ الأموال و قتال من دافع عنها كما كان ذالك جبلة في العربان و رزقنا الله على إجتثاث أصله” و في هذه الجملة تعبير عن بديهية هذا العمل و كونه لا يمثل خطرا على سلطة الدولة و لا يضع سيادتها محل تساؤل، و لا يخفي وجود آليات لتدخل السلطة أهونها القضاء التوفيقي: توكيل المشايخ و الخلفاوة مهمه معاقبة اعمال الحرابة و تعويض المتضررين و أشدها الحملات العسكرية التأديبية.


🇹🇳 ظاهرة الصفوف : هل هي حقا دليل إنقسام مجتمعي تونس ؟

يخضع المجال التونسي لقاعدة الحكم بالعاصمة و يصيبه التزعزع و التصدع كلما تصدعت هذه القاعدة المركزية & لعل أبرز صدع/إنقسام داخلي هو الإنقسام الشهير لصف حسيني و باشي نسبة للحرب الأهلية بين “حسين باي” و “علي باشا” في القرن 18، و قد فرض هذا الإنقسام نفسه كمعطى بديهي لكل دراسة تتعلق بالمجتمع التونسي: أبحاث مونشيكور، جون غانياج، اندري مارتال، و تقارير الجنرالات الفرنسيين قبيل الحماية و كذلك في الإتحاف لإبن ابي ضياف؛ إلا أن إستعراض الكتابات التاريخية في الكتابات التاريخية في النصف الأول من القرن 19 لا يحيل لوجود “ظاهرة” إنقسام دائم و لا يطرح أي تسمية لحالات التنافس/التحالف الظرفي الذي تشهده البلاد.

إن مصطلحي “باشي”/”حسيني” هما صياغة لأحمد إبن أبي ضياف وصف فيها التحالفات و التمترسات الحزبية سنة 1728 بالإستناد إلى واقع مغاير بعد أكثر من قرن من تاريخ الأحداث سنة 1864؛ فالانقسام المزعوم كان نسبيا من حيث التوزع الجغرافي: تغير العروش و القبائل و العائلات و الجهات و الأحياء ولائاتها و مواقفها حسب الظرفية فمثلا هاهم “الغريانيون القراوة” يساندون “علي باشا” في الوقت الذي كان “حسين باي” موجودا داخل القيروان، و هاهو ربط باب سويقة يساند “حسين بن علي” بينما مال ربط “باب الجزيرة” لعلي باشا .. ثم هاهو ربط باب سويقة يساند “علي باشا” بينما جاهر ربضا “المدينة” و “باب الجزيرة” بمساندة إبنه يونس & تظفي التغيرات المتعددة في الظرفية على سلوك المجموعات الحضرية و القبلية سمة الإنتهازية فلا يجوز بالتالي تحميل إنقسام سياسي عارض صفة الدوام.

ظاهرة الصفوف التي أريد منها تأييد الطبيعة الإنقسامية للقبيلة في بر “تونس” و بالتالي عدم وجود مجتمع تونسي موحد؛ ماهي إلا ظاهرة ظرفية مرتبطة بالرهانات السياسية و بالظرفية التاريخية فيصح إعتبار هذه الظاهرة تعبيرا عن الإحتجاج على تعسف السلطة و جورها صلب مجال حدوده الأمة التونسية : كل طرف قبلي يساند طرفا سياسيا خدمة لمصالح معينة و دون خروج عن :
1/ التموضع في فلك السلطة.
2/ التطور إلى تعبير عن هوية قبلية ثقافية، عرقية، سياسية.

فالطموح المحرك للقبائل التونسية كان طموحا في الإرتقاء لصف القبيلة المخزنية و كان الطرف الطامح في السلطة كثيرا ما يستقطب القبيلة مغريا اياها بالحصول على هذه المنزلة فحين إنتصر حسين بن علي على علي باشا سنة 1728 مثلا، ارتقت قبائل جلاص و أولاد عون لصف قبائل المخزن و حين هزم حسين بن علي على يد الباشا علي، إنجر عن هذا فقدان هتين القبيلتين لحضوتهما المخزنية و إقصائهما مقابل صعود قبائل ساندت علي باشا مثل وسلات و اولاد عيار بصف المخزن.

و قد كان لسياسة العفو التي استعملها “علي باي بن حسين”: العفو عن القبائل الثائرة ثم إدماج غالبية المجموعات القبلية في الخدمة المخزنية مع الباي “حمودة” دور في تهدئة هذا الطموح القبلي & كذلك سياسة التحديث التي مست المؤسسات التونسية : القضاء و العسكر كان لها دورها في تغيير التصورات التي يحملها الجنود التونسيون للبلاد و للإنتماء لها.



🇹🇳
لم تمثل الظاهرة القبلية في تونس عائقا حقيقيا أما التحديث و التطوير السياسي؛ إذ أن الإشكال الحقيقي في بلادنا التونسية تمثل في غياب مشروع سياسي حقيقي عند النخب التونسية.

لم تطرح النخب التونسية تصورات جديدة لتحوير منظومة الحكم التونسية و المجتمع التونسي : بل لم تتفطن لوجود تخلف في منظومة الحكم التونسية فبالتالي لم تسع لتغيير هذه المنظومة.

و ما تزال سياستنا تعاني من غياب الوعي بوجود تخلف سياسي يتطلب تصورات جديدة للدولة و لأجهزتها و لعلاقتها بالأمة و لتمثيليتها للأمة التونسية.

____________________________
(1) فاطمة بن سليمان الأرض و الهوية ص 339
 

Hits: 1779

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.