الشيخ عرفة الشابي: مؤسس أوّل كيان قومي تونسي على الأرض الإفريقية

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 11 فبراير 2019 - 9:30 مساءً
الشيخ عرفة الشابي: مؤسس أوّل كيان قومي تونسي على الأرض الإفريقية

 فقيه و مُربيّ و قائد سياسي، عاش بين القرنين 15 و 16 .

عاش (عرفة الشابي) أو (سيدي عرفة) كما شاع ذكره عند العامة و حتى في المصادر الإسبانية {Cid Arfa} حسب المؤرخ {Pedro de Salaza}، في فترة عصيبة من تاريخ إفريقية التي إستحكم فيها وهن الدولة الحفصية، إذ تقلص نفوذ الحسن الحفصي فلم يعد يشمل حُكمه إلا الشمال الغربي و بعض المدن.
إحتد الخلاف بين الحضر و البدو، كثرت الإغارة و السلب و تغلغل الخوف في النفوس، و إزدحمت إفريقية بتمرد الأعراب و ترددهم و إنقضاضهم على المراكز الحضرية و السيطرة على الطرق للنهب. و نتج عن كل هذا إضطراب في الأمن و خلل في الدورة الإقتصادية و نقص في الأغذية، كما إنتشرت المجاعة و الأوبئة التي كانت سببا في إفناء عدد كبير من الناس، فأتاح هذا لعملاقي البحر الأبيض المتوسط (العثمانيين و الإسبان) أن يتنازعا السيطرة على تونس.

إحتلها العُثمانيون سنة 1534 بإسم الإسلام فأثخنوا القتل و الأسر في الحضر و البدو، و في السنة الموالية 1535 هاجمها الإسبان بتحريض من الحسن الحفصي، فأجلوا العُثمانيين عنها و إحتلوها، فأباحها لهم الحسن ثلاثة أيام من القتل و النهب.

في هذه الغمرة من الصراع ظهر عرفة الشابي أو سيدي عرفة في القيروان، كبطل قومي نافح عن ذاتية الأمة التونسية، فأعلن إستقلاله في القيروان و في الوسط و الجنوب الغربي و في الشمال الغربي و منطقة قسنطينة إلى جبال الأوراس و في بلاد سوف، و إمتد نفوذه حتى مشارف مدينة تونس. و إلتحم في حروب ضارية ضد الإسبان و عميلهم {الحسن الحفصي} و ضد العثمانيين فإنتصر عليهم جميعاً، و لقد كانوا في نظره غُزاة وحّد بينهم برغم صراعهم هدف مشترك هو السيطرة على إفريقية.

والده هو الصّوفي الكبير {أحمد بن مخلوف الشابي} مؤسس الطريقة الشابية و يُعتبر أحد أقطاب التصوف في العهد الحفصي، لهذا لقبه صوفية المشرق بـ”زهرة أهل الغرب المُنعّمة”.

تلمذ له {أحمد الغوث التباسي التوزري} و {أحمد المقنع الحنّاشي} و كان ذلك بين سنتي 1473 و 1474 فبشّرا بطريقته الشابية في إفريقية الحفصية، و شيئاً فشيئاً أخذت قاعدة مُريديه تتسع في البوادي و المدن، روّض القبائل النافرة بتربيته و إرشاده في عصر إختلطت فيه السبل، و ألجم ترددها و تمرّدها بمجالسه العلمية و الصوفية بالقيروان و برسائله التي كان يوجهها إلى المريدين وممن أشكلت عليهم بعض المسائل أو ممن لم يهتد منهم إلى إلتزام ما تفرضه الطريقة الشابية، و كذلك بتردده على هذه القبائل في مواطنها، يُحدد الأدواء المُستشرية و يوضح لها سبل العلاج فتأكد إرتباطها به أكثر فأكثر و أخلصت للطريقة الشابية، فما ترددت ساعة العسرة في أن تمتشق السلاح بقيادة {سيدي عرفة} لإلحاق مرّ الهزائم بالإسبان و السلطان الحفصي و العثمانيين.

و قد ورث مشيخة الطريقة عن أخيه الأكبر {محمد الكبير} سنة 1494، و بالرغم من أن أهمية الشيخ كانت تتمثل لدى أتباعه في سموّ تعاليمه الروحية و عُمق تأثير ولايته فيهم و قيادته للطريقة الشابية، فإن تميزه بالفقه كذلك لم يكن خفياً، و لهذا السبب شاع وصفه في المصادر المشرقية بالمالكي بإعتباره أحد أقطاب المالكية في إفريقية، و نظراً إلى جهاده ضد المسيحيين و عملائهم في فترة حروب الإسترداد التي طغى فيها المدّ المسيحي على إفريقية فقد وُسم في بعض المصادر بالمرابط.

إن تألق شخصية {سيدي عرفة} الروحية و تغلغل دعوته في قلوب الأفارقة و عُمق تأثيره فيهم جعلت المسيحيين و قادة الجيش الإسباني يطلقون عليه لقب الـ(بابا) أو (بابا القيروان)، و ذلك لأنهم وقفوا بأنفسهم أثناء معاركهم التي خاضوها ضده على حقيقة تأثيره الديني في نفوس جنوده و جنود خصومه على السواء، و قد شهدوا بأنفسهم كيف إنضم إليه جيش خصمه {الحسن الحفصي} . و قد تحدث الحاكم العسكري الإسباني لحلق الوادي {Francois de Tovar} عن القداسة التي يتمتع بها {سيدي عرفة} لدى أتباعه بقوله في رسالة مؤرخة في 30 أفريل 1538 إلى إمبراطور إسبانيا : “و يُعتبر سيدي عرفة في نظر الأهالي شخصية مقدسة تتمتع في هذه المنطقة بتأثير أكثر من تأثير الملك أو أي شخص آخر”.

و قد وصفه خصمه {الحسن الحفصي} في إحدى رسائله بالوليّ، و وصفه المؤرخ {Marmoul} بالفقيه، و وصفه المؤرخ (Bosio) بخليفة القيروان، و هو وصف يذكّر بما ورد في المؤنس من نعت لـسيدي عرفة بصاحب القيروان، أيّ من له النفوذ الروحي و السياسي فيها دون غيره، على أن القيروان لا تعني المدينة فقط و إنما تعني كذلك المناطق التي تقطنها القبائل الموالية له و تدين له بالولاء فتكوّن جميعاً الإمارة الشابية تتصدرها عاصمتها القيروان.

كما إشتهر كذلك لدى الإسبان بملك القيروان و سيّد القيروان، و قد غلبت عليه نسبته إلى بلدة الشابّة مسقط رأس والده فعُرف بالشابي.

برع {سيدي عرفة} في التصوف و في العلوم العقلية و النقلية و أخلص لتاريخ إفريقية و حضارتها فبدا بحقّ شخصية إفريقية فذة في القرن 16، فلم يكتفي بتلقين العلوم نقليّها و عقليّها، ولا خلص للإرشاد النظري المحض الذي لا صلة له بالواقع المعاش، ولا إنكب على التأليف، و إنما سخّر التدريس و الإرشاد و التأليف لغايات عملية تتمثل في القضاء على أدواء المجتمع و علله المستشرية، و في إحياء الإسلام من جديد في نفوس البدو بعد أن رانت عليها الردّة و أوطن فيها التمرد و اليأس طيلة القرون الأربعة المنقضية، و في القيام بعملية بعث قوميّ لإفريقية في فترة إزدحمت بخيانة {الحسن الحفصي} و بالحضور العسكري التركي و الإسباني.

فما كان يعتبر العلم علماً إذا لم يستحل إلى سلوك يُحقق طلبة الفرد و مناعة المُجتمع، ولا التلبّس بالطريقة الشابية تصوفاً إذا لم يحمل المريدين على إمتشاق السلاح لطرد الأتراك و الإسبان بُغية تحقيق الإستقلال القومي.

إن شهرة {سيدي عرفة} العلمية و تأكد نفوذه في بوادي إفريقية و مدنها، و من بينها تونس، بسبب الإقبال على دروسه و إعتناق طريقته قد أثار ثائرة البعض من علماء الحاضرة و حملتهم على إتخاذ مواقف ضده، أدناها مناظرته في عُقر داره لإفحامه أمام أتباعه، و أقصاها الوشاية به لدى السلطان {أبي عبد الله محمد الحفصي} للقضاء عليه نهائياً فسجن سنة 1525.

كان {سيدي عرفة} من أكبر المتكلمين في عصره و أعظم مربّ عرفته إفريقية في القرن 16، كُلف بتهذيب النفوس و تعليم العامة قبل الخاصّة بالأساليب البسيطة و باللغة الدارجة. و قد إنتقده الفقهاء لعنايته بالعامة و أسلوبه المُبسط قائلين “إن عرفة يُعلم التوحيد لرعاة البقر”، و تصوّروا أن العلم ترف لا يناله إلا الخاصّة و رياضة فكرية لا صلة لها بالعلم و حلية يكسبون بها عطف السلطان الحفصي و نواله، و أن بين العلم و الواقع المعاش قطيعة كاملة بها يتحقق أمنهم مهما إستعصت ظروف الحياة.

إلاّ أن {سيدي عرفة} آثر منذ البداية أن يكون تصوفه شعبياً يتجه إلى العامة قبل الخاصة، لذلك إستعمل اللغة الدارجة للإرشاد و التعليم و لم يتخيّر له لغة تقصر دونها أفهام الكثيرين ولا إصطفى أساليب صقلتها التجارب المتعاقبة لفرسان الفصحى ولا ركن إلى التراث الفصيح ينهل منه صوره و خيالاته بغية إصابة مكامن الإعجاز اللغوي، و إنما آثر بدلاً من ذلك اللغة الدارجة و ما يكمن فيها من صيغ و أمثلة و صور يطرح بها قضايا تصوّفه ليصل إلى أعماق القلوب، و هو قد إستجاب في هذا لحاجة الطبقة الشعبية التي سيطرت عليها الأمية في تلك الفترة و حُرمت من التعليم.

فلم يكن يهدف من وراء تلقين المُريدين أصول مذهبه الصوفي تكوين مرشدين مُخلصين للطريقة و منقطعين عن الواقع المعاش كما كان يفعل نظراؤه من مشائخ الصوفية آنذاك ممن كان تصوفهم يتسم بالسلبية بحيث لا تجد له صلة بالأوضاع السائدة، لم يكن {سيدي عرفة} مثلهم و ما كان تصوفه كذلك.

 لقد وفق في إثارة الإحساس القومي و الحمية الوطنية في نفوس المُريدين عن طريق تصوفه، و من ثم إرتبط مفهوم التصوّف عنده بمفهوم الوطنية، و هو مفهوم جدّ تقدمي في القرن الـ 16.

إن النشاط المميز لـسيدي عرفة في تواضعه و أسلوبه المُختلف عن سائر فقهاء عصره، جمع حوله القبائل الإفريقية التي ساد بينها التناحر و الجهل، كطرود و الهمامة و دريد و النمامشة و أولاد سعيد و أولاد بالليل و أولاد مهلهل و الحراكته و النبايل و الحنانشة و خمير و مرداس و بني بربار و ورغة و الذواودة و شارن و أولاد بوغانم و الفراشيش، فألّف بينها و أقحمها في سياق التاريخ و أتاح لها أن تلعب دوراً نشيطاً في صياغة الأحداث بإفريقية بعد أن ظلّت طيلة خمسة قرون بمنأى عن هذا السياق، تعيش على الهامش و تمتهن الفوضى.

لقد ظفرت بهويتها القومية على يدي {سيدي عرفة} الذي شحذ فيها الإحساس المُشترك بوحدة التاريخ و الوطن و القيم في وقت إختلطت فيه السبل و بدى فيه للمسلمين أن الخضوع للأتراك هو من الدين و أن الوفاء لإحتلالهم هو الوفاء للإسلام نفسه، فتكوّن من هذه القبائل جيش قومي ليس له من هدف إلا تحرر إفريقية من الخونة و الغزاة مهما تكن ديانتهم.

و من الواضح أن {سيدي عرفة} وصل إلى الدعوة للقومية التونسية نتيجة لتحليله واقع المسلمين في عصره في مختلف أقطارهم و بخاصة واقع الخلافة العثمانية، و هو واقع يموج بالخيبات و الهزائم و يزدحم بالتخاذل و الخيانة.

لقد سقطت غرناطة آخر قلعة إسلامية في الأندلس سنة 1492 فلم تُنجد الدولة العثمانية أهلها الذين إستنجدوا بها و آثرت التخلي عنهم.
هذا الموقف فطّن سيدي عرفة إلى هول ما يجري في البلدان الإسلامية، و إلى المخاطر التي أصبحت مُحدقة بإفريقية من جراء سقوط غرناطة، و جعله يُدرك أن الإعتماد على الأتراك أو على غيرهم من المسلمين ممن لم يجمعهم وطن واحد و إحساس قُطري مُشترك في صورة تعرض إفريقية لهجوم مسيحي مُجرد وهم لا أمل فيه.

و قد وجد الحل البديل في الإعتصام بالخصوصية التونسية، فربّى القبائل تربية دينية وطنية، و أيقظ إحساسها القومي، و لقنها أن الهدف من دعوته هو الإطاحة بالحفصيين و الحفاظ على إستقلال البلاد، و ردّ المُغيرين عليها مهما تكن ديانتهم.

بيد أن هذا لم يحدث بيسر و إنما إقتضى لذلك من {سيدي عرفة} 42 سنة من الدعوة قضاها في مُثاقفة الصعاب و تأليف القبائل من حوله بالتربية الروحية و السياسية و في مواجهة المواقف الحاسمة و زيارتها في مواطنها.

و قد آلم {سيدي عرفة} ما إرتكبه القرصان العثماني {خير الدين بربروس} في تونس سنة 1534 من عسف و قتل فأخذ يُعدّ العدة لخوض الحرب ضده و ذلك بتجنيد القبائل الموالية و الكشف لها عن حقيقة الإحتلال العثماني الذي أناخ على البلاد بسبب إنهيار الدولة الحفصية و إنحلال {الحسن الحفصي}.

حتى السنة الموالية 1535 و هي السنة التي شهدت نجدته لأهل تونس الذين فتكت بهم جيوش {شارل الخامس} فحكم على {الحسن الحفصي} بالردّة لأنه تحالف مع النصارى ضد أبناء ملته، فأغاث أهل تونس إثر واقعة الإربعاء المشؤومة بـ 500 جمل قادها بنفسه و نقل عليها إلى القيروان عددا كبيراً من اللاجئين.

و إثر رجوعه إلى القيروان بادر بإعلان الجهاد و بالإستقلال بالقيروان لتكون مُنطلقاً لتحرير إفريقية من ردّة الحفصي و سيطرة الصليبيين و هيمنة الخلافة. و كان {سيدي عرفة} قد بلغ في تلك الفترة قوة تفوق قوة السلطان نفسه، إذ تأكد تفوذه في منطقة الساحل و في وسط تونس و غربها و شمالها الغربي و جنوبها الغربي و في منطقة قسنطينة إلى الأوراس و في بلاد سوف، أما الأموال التي كانت بين يديه قبل تولّيه السلطة بالقيروان فكانت تفوق ميزانية السلطان الحفصي، و كان أتباعه يفوقون الـ 140 ألف مُريد.

فهادن الأتراك بالساحل ليتفرغ لجاهد الإسبان و عميلهم {الحسن}، و كان أبرز ما عُني به في بداية أمره إستمالة طوائف من الأعراب القاطنين قرب تونس، وُسمت بالإنتساب للحفصيين و بالنكوص على الأعقاب كلّما بدا لها ذلك. لهذا بادر بالإتصال بها و بإسترضائها بوسائل مُختلفة بقصد إقناعها بشرعية عمله و بأهمية ما أقدم عليه.

واقعة باطن القرن ~ سبتمبر 1535 :

إثر إستقلال {سيدي عرفة} بالقيروان، بادر {الحسن الحفصي} بمهاجمة المدينة بإعتبارها الخطر الداهم على عرشه المُهتزّ، فإتجه إلى القيروان في أشتات من الأعراب و فرق من المسيحيين ليوقع بخصمه و يحتل المدينة المتميزة بأهميتها الروحية و العسكرية، و سلك بجيشه إلى القيروان الطريق التي أصبحت تُعرف في العهد الحسيني بثنيّة المحلّة، و تمثّلها شبكة الفحص و الجببينة و السبيخة فوصل إلى مكان يقع غربيّ القيروان و يبعد عنها 10 كلم يُسمى باطن القرن.

و لما عسكر فاجأه {سيدي عرفة} ليلاً و أجهز عليه فإنهزم و أخذت أمواله و رجع إلى تونس مكسوراً. عندما فاجأ جيش الشابيّة الجيش الحفصي ليلاً و بدأ الإلتحام أطلق جيش الشابية نداء (الله أكبر) فإنضمت أغلبية الجيش الحفصي لـ{سيدي عرفة} و تمزقت القلة الباقية، ولاذ {الحسن} بالفرار إلى تونس تاركاً وراءه أمواله و عُدته.

وقد تأكد بهزيمته هذه قيام الإمارة الشابيّة. إلاّ أن {الحسن} ظلّ عازماً على إفتكاك القيروان، فحمل عليها ثلاث مرات لم يجن منها إلاّ الخيبة، إحداها سنة 1535 و الثانية في بداية سنة 1536 و الثالثة في جوان سنة 1540.

كان جيش {سيدي عرفة} مُكوناً من أهم القبائل الموالية (الحنانشة، النمامشة، دريد، الحراكتة، بني بربار، الهمامة، أولا سعيد ..) و هو متفوق على جيش {الحسن} عدداً و حُسن تنظيم لكنه لا يختلف عنه من حيث الأسلحة، إلا أن جيش الحسن كان مكوّناً من جموع قوامها أشتات من الأعراب مُعتصمة بطمعها في أموال {الحسن} لا تنظيم لها ولا إيمان بهدف، و من هذه الناحية فهي أشبه بالزّمايل المتحركة، و من ثم فلا تخطيط يسندها ولا قيادة مؤمنة و محنكة تُحدد لها سبل العمل العسكري المُنظم، و حسب المصادر الأوروبة فقد ضمّ هذا الجيش كذلك فرقة مسيحية لا شأن لها .

أما جيش سيدي عرفة فكان مُحكم التنظيم، صُلب البناء، قوامه شباب يُمثل بإنتسابه سائر أنحاء إفريقية و بإيمانه بتحرير البلاد درع الأمة التونسية الناشئة، و طليعة قيادة رشيدة مارست توعية الشباب مُدة طويلة و كلفت بتجذير القومية فيه دونما عياء.

عندما قاد {سيدي عرفة} هذه المعركة كان عمره 64 عاماً قضى 42 سنة منها في تلك التوعية، و قد ساعده في قيادته العسكرية صفوة من أبناء الشابيّة في مقدمتهم إبناه {أحمد الشابي} و {محمد الزفزاف} الذي سيُعرف فيما بعد لدى الأوروبيين بـ(لوثر الإفريقي) و إبن أخيه {محمد بن أبي الطيّب} الذي تولّى الإمارة من بعده و قريبه {محمد بنّور}. و كان على رأس كل فرقة قبليّة في هذا الجيش قائد منها يخضع لأوامر القيادة العليا، و ليس لهذا الجيش من هدف إلا الإجهاز على العدو، لا لمطمع يتملكه ولا لصبوة يسعى إليها ولكن لنصرة الدين و إنقاذ الوطن من ردّة الحفصي و صليبيّة الإسبان و تربّص العثمانيين.

و حين وجد {سيدي عرفة} الفرصة سانحة لدخول في مواجهة ضد الأتراك، إنقضّ على الكتيبة العثمانية المتمركزة في القيروان منذ أوت 1534 و أجهز عليها، فأرسل أتراك الساحل بنجدة إلا أن أهالي القيروان إعترضوا طريقها و قتلوا نصفها و فرّ باقيها هائمين لتتلقفهم الأعراب.

وقعة المنستير ~ 12 نوفمبر 1540 :

وفّق {الحسن} بعد إلحاح طويل في إقناع الإسبان بالقتال معه ضد {سيدي عرفة}، فجمع عدداً كبيراً من الأعراب و قادهم جميعاً إلى حربه، و قد إنضمّ له الفيلق الإسباني المرابط بالمنستير بقيادة {Alvar de Sande}، و في الطريق إلى القيروان فاجأه {سيدي عرفة} في مكان يتوسط المنستير و جمّال عند الوردانين و الساحلين، و يبعد عن جمّال و المنستير نحو 10 كلم، و دارت حرب ضارية إستمرّت يوماً كاملاً من التاسعة صباحاً إلى الغروب فكانت فاصلة بين الطرفة. كان عدد جيش {الحسن} يتراوح بين الـ 100 ألف و الـ 60 ألف من بينهم 7 أو 8 آلاف فارس، لكنه كان أشبه بالزّمايل منه بالجيش المدرب المُنظبط، لغلبة الفوضى عليه و تكاثر عدده بالنساء و الأطفال الذين كانوا يُرافقونه بدون جدوى.

أما الجيش الإسباني المرافق فكان لا يتجاوز الألفين في حوزتهم البنادق و المدافع و كان يقوده {Alvar de Sande}، في حين كان عدد جيش {سيدي عرفة} من الفرسان 22 ألفاً و من المشاة 15 ألفاً و من حاملي الأسلحة النارية 600، و يقود هذا الجش {أحمد بن عرفة} بدلاً من والده الذي بلغ من العُمر آنذاك إحدى و سبعين سنة، يُساعده أخو {محمد الزفزاف} و إبن عمه {محمد بن أبي الطيب} و مملوك إسباني يُسمى {Cachazo} و هو إبن جزار بمالقة، و يقود فرقة مكوّنة من مرتزقة أتراك و أوروبيين، و المتخصصة في إستعمال الأسلحة النارية مملوك أوروبي يُسمى {Baalij}.

و الملاحظ أن {أحمد الشابي} إستعان بهذين القائدين الأوروبيين و بهذه الفرقة من المرتزقة المحدودة العدد التي أقحمها في جيشه لحذقهم إستعمال الأسلحة العصرية من بنادق و مدافع، لأنه كان يعرف أن الحرب ضد حلفاء {الحسن} من المسيحيين لن تكون لصالحه إذا لم يعتمد نفس الأسلحة التي يعتمدونها.

فلمّا إلتقى الجيشان بادر {الحسن} بالهجوم إلا أن نداء (الله أكبر) الذي دوّى من حناجر جيش الشابيّة مزّق صفوفه و إنقلب الأعراب المُرافقون له عليه و إنضموا لجيش عدوّه. و إزداد أمر {الحسن} سوءاً حين وقع صُحبة البقية من جيشه في كمين نصبه له خصمه و ذلك بإختفاء 14 ألف فارس في غابة زيتون قرب الوردانين إنقضّوا عليه في الوقت المناسب، فإنفضت من حوله هذه البقية و هرب.

أما الجيش الإسباني فقد إرتد هو كذلك على أعقابه بعد أن قاتل بشراسة و تقهقر إلى المنستير في ظلّ حماية فرقة يقودها {Louis de Rejon}، و كانت الفرقة المكونة من الأتراك و المسيحيين القدامى من جيش الشابيّة هي المكلفة من طرف {أحمد الشابي} بمقاتلة الجيش الإسباني، و لم تنفك تتعقبها حتى المنستير.

إن هزيمة {الحسن} و حلفائه في المنستير و قضاء {سيدي عرفة} على أتراك القيروان و سوسة معاً، أكدت قيامة دولة قومية تونسية ناشئة، فأسس {سيدي عرف} نظامها المالي و صكّ عُملتها من نحاس (كُتب على جانب منها ‘الله أكبر، لا إله إلا الله’. و على الجانب الثاني ‘الشيخ عرفة الشابي’). أما {الحسن الحفصي}؛ فقد إنتهى أمره لاجئاً في القيروان لدى أولاد {عرفة الشابي} بعد أن تخلى عنه الإسبان لفشله و إنعدام شعبيته و عدم قدرته على الإيفاء بإلتزاماته الماليّة تجاههم، و بعد أن إفتك إبنه {حميّده} عرشه و سمل عينيه.

توفي الشيخ سنة 1542 ليتولى إبن أخيه {محمد بن أبي الطيب} الإمارة و من بعده أبنائه، ليستمر النضال ضد الهيمنة الأجنبية طيلة أجيال، قبل أن تغلب قوة السلاح قوة العقيدة و نُبل الدعوة …

____________________
أهم المصادر و المراجع :
* كتاب عرفة الشابى رائد النضال القومى فى العهد الحفصي لعلي الشابي
* كتاب وصف إفريقيا لمارمول كربخال
* كتاب المؤنس في تاريخ إفريقية و تونس لإبن أبي دينار

Hits: 215

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.