الإدراك السياسي التونسي لمسألة الحوز و الحدود

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 13 أكتوبر 2017 - 4:56 مساءً
الإدراك السياسي التونسي لمسألة الحوز و الحدود

من مشاكل الإدراك السياسي و ممارسة السياسية في بلادنا في القرن 19 خاصة . هو مسألة تشكل المجال و مفهوم الحدود، و أبرز دليل على هذا غياب هامش خاص بهذه المسألة عند النخب و الكتاب التونسيين مثل ( القاضي بن سلامة، الباجي المسعودي، إبن ابي ضياف ) : و هذا الأخير كان كاتب سر في البلاط و خدم مع أربعة ملوك/بايات و حضر على الإحتلال الفرانساوي للجزائر و الإلحاق العثماني لطرابلس و لكن كتاب الإتحاف ما فيه كان هامش صغير خاص بالمجال و تنظيم الحدود.

طرحت مسألة الحدود ما بين المستعمرة الفرنسية: الجزائر & المملكة التونسية حين توغلت قوات فرانساوية في شرق الجزائر بعد السيطرة على قسنطينة و طلبت من باي تونس ضرورة رسم خط حدودي للفصل بين تراب الزوز دول المحتل الفرنسي و تونس.

إعتبرت فرنسا أن مظاهر السيادة التونسية في شرق الجزائر مضرة بسلطتها الحديثة :[الجنرال نيڨريي خاطب عرش بني مازن قرب مدينة القالة داعيا إياهم لعدم دفع ضرائب لمحلة الباي التونسي “لابد الواحد يخدم سيد واحد و ليس يخدم زوج أسياد”] و كان مجال قبيلة نهد هو محور الصراع السياسي بين فرنسا و تونس.

إذ :
1/ إحتجت فرنسا على إستغلال الباي للخشب من المنطقة الغابية المجاورة للقالة.
2/ إحتجت على محلة باي تونس التي تقوم بعملية الجباية في منطقة نهد.

و الإحتجاج هذا ما عندوش ما يبررو، بحكم مراسلات ديبلوماسية سابقة تقر بتبعية منطقة نهد لتراب تونس “ولنا رعية ساكنة هناك يقال لهم نهد يعلم هذا جميع أهل البر و البحر” و كذلك بحكم خضوع نهد منذ القرن 17 للضرائب العينية و النقدية و تمتع مشايخها بعوائد مخنزنية إسمها “عوائد كبار نهد” و كذلك كان الفرنسيون أصحاب برج القالة يرفعون شكاويهم بقبائل منطقة نهد لباي تونس للبت فيها بل يتدخل باي تونس لتنظيم العلاقات الإقتصادية في منطقة نهد من: تجارة، حرث، صيد، رعي، إقتطاع الخشب.. و التنظم الإداري صلب هذه العروش عبر تعيين المشايخ.

و أصلا إستتباع هذه المنطقة و عروشها للباي التونسي كان بفضل طلب من مشايخ هذه القبيلة موجه للباي التونسي : مراد كورسو … خلاف قبلي يليه تدخل تونسي لإسناد مشيخة القبيلة الرسمية تقابلها محاولة إيجاد موطئ قدم فرنسي في هذه المنطقة و إنتهت ببسط النفوذ التونسي على هذه المنطقة سنة 1657.

۞ موطئ القدم الفرنسي في منطقة نهد : مركز القالة

رغم كثافة المبادلات الإقتصادية ما بين عروش نهد و جيرانهم من عروش خمير و عروش منطقة الرقبة و رغم وجود علاقات تبعية بين هذه المنطقة و كرسي تونس إلا أن مركز صيد المرجان الفرانساوي بالقالة إستقطب إقتصاديا عروش هذه المنطقة و جعل السيادة التونسية منقوصة و مشوهة & لم يدرك الوعي السياسي التونسي هذا الخلل في وقته.
بهذا، تمكنت فرنسا من إيجاد و بلورة حجج لتبرير حقوقها على هذه المنطقة و صارت حوارات ما بين تونس و فرنسا حول وضعية نهد و الحد الساحلي و تصور الحدود و مفاهيم السيادة الترابية.

۞ الجـــــــــــدل:

إستندت فرنسا على حق الإحتلال: أي منطق القوة : صحيح تونس كانت عندها سلطة على منطقة نهد : جباية، ولاء، قضاء … و لكن هذه السلط لا تدعمها مؤسسات ثابتة و مستمرة تؤكد رسوخ سلطة الباي على الأرض و بالنسبة لسلطة فرنسا المحتلة فجميع الحجج الي قدمتها بلادنا منذ 1838 لا ينبني عليها شيئ : فالأحوال تبدلت تماما اليوم حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي : Cela ne préjugeant en rien et ne préjuge absolument en rien sur la question de la souveraineté territoriale
إعتبرت فرنسا نفسها وريثة حقوق مبهمة هي نتيجة قراءة خاصة للشروط المنعقدة بين فرنسيي برج القالة و داي الجزائر و باي تونس عام 1685 و 1790 على التولي و عبرت عن إستعدادها لمنح ترضيات لتونس بإعطائها مكانا آخر على الحدود كتعويض عن منطقة نهد (ثم صعدت فرنسا من ضغطها مطالبة بضم طبرقة لممتلكاتها الجزائرية) و كانت الحجج الفرنسية واهية اذ انها لا تستند إلا على منطق واحد و هو منطق القوة : “يجب على الحكومة التونسية أن تفهم المسألة كما نفهمها نحن و هي لا تزال بعيدة عن ذلك”. يعني وجب ان تخضع الحكومة التونسية لوجهة النظر الفرانساوية الواهية لإيجدا تفاهم.

۞ الحجج التونسية : العادة و البديهة في مواجهة القوة الغاشمة :

تشبث كرسي تونس بما سماه  “الثابت من قديم الزمان”  أو “من أول التاريخ” في وجود حقوق لتونس في منطقة نهد أي وجود حق بديهي : “هؤلاء نهد في تراب سيادتكم و هم من رعية السيادة و من عمالتكم” حسب مراسلة عمارة الهميسي قايد الرقبة للباي أحمد.

ثم كانت الحجج القانونية دعما لهذا الحق : الدفاتر الجبائية و نسخ الأحكام الموقعة بأختام الباي “علي باشا” و ثم “حمودة باشا” & على الإعتراف بالوضع السيادي التونسي من قبل دايات الجزائر: “فإن قلتم إنهم من عمالة الجزائر فحجتنا أن حكامها السابقين لم يعارضونا قط و لا صدر منهم كلام في شأن هؤلاء مع ما كان بيننا من الحروب القاضية عدم التسليم في ادنى شيئ” و “أن سيادة تونس تمتد لحدود برج القالة”.

نحن إذا إزاء مواجهة بين تجربتين تاريخيتين و بين ثقافتين سياسيتين لكل منهما تصور خاص للسيادة الترابية و لأشكال المراقبة السياسية و كانت القوة اذا هي الفيصل في حسم هذه المواجهة.

* الصورة: الحصن الفرنسي في القالة
في شبه جزيرة بعد الإستيلاء عليها.

۞ الضغط الفرنسي العسكري :

منذ سنة 1843 نظمت القوات الفرنسية المرابطة بعنابة و قسنطينة بمهاجمة المجموعات الحدودية التابعة للعرش التونسي: عسكر فرانساوي مدعوم بقبائل جزايرية يجتاحون مناطق الخزارة و حكيم و وشتاتة و ورغة في صيف 1843 مع موسم الحصاد، مخلفة خسائر مهمة بشرية و مادية خاصة و أن المقاومة قبلية أساسا و عفوية، وسط غياب حقيقي للجيش التونسي و ل”إستراتيجية دفاع وطنية”.

حققت الحملة العسكرية الفرنسية رغم ضراوة المقاومة هدفها السياسي، إذ صار من الواضح أن فرنسا ستقوم بمهمة ترسيم الحد سواء وافقت تونس أو لا و ستلزم كرسي تونس بإحترام الحدود التي تراها ملائمة.

أسفرت مهمة وضع الحد إلى إيجاد حل ظرفي ينطلق من كابو روسو و لم يقع البت في وضعية نهد التي بقيت في حالة الوضع السائد و هي وضعية غامضة مهدت بعد ستة سنوات لضمها رسميا و فعليا للمستعمرة الفرنسية : إذ كان لإكتشاف منجم الرصاص الواقع في كاف الطبول و ما يمثلة من اهمية اقتصادية لفرنسا دور في هذا التطور، كما مثلت الظرفية التاريخية المواتية لفرنسا : إستسلام الأمير عبد القادر في 1847، الإنتصار العسكري في معركة إيسلي على مملكة مراكش 1844 ،
==> تركيز قواتها على عدو واحد “تونس”.

۞ المقاومة التونسية العفوية :

إزاء غلبة منطق القوة و تراخي سلطة أحمد باي إزاء العنفوان العسكري الفرنسي و قبوله بالحد الجديد الذي أنقص من الإمتداد الترابي التونسي فإن المجهود المقاوم الحقيقي إظطلعت به القبائل الحدودية التونسية من منطقة خمير إلى منطقة الفراشيش و ربماكان لهذة المقاومة الضارية أبرز دور في إيقاف وكبح إعتدائات الفرانسيين.

فالعروش التونسية ضلت “ملازمين الفزوع (أي متهيئين للقتال) و ليس تاركين بلادهم ” بل نجحت في تعبئة مواردها عديد المرات و هاجمت التحصينات الفرنسية و أرتال المؤن كما دافعت بإستماتة عن ممتلكاتها من الأطماع الفرانساوية و من أطماع القبائل التابعة لها في وقائع مشهودة عسكريا”.
و كذلك بالإستناد على توثيق الملكية : وثائق مكتوبة أو مقابر و روابط & شهدت هذه الفترة نشوء مقاومة إقتصادية سلبية  “الكنترة” عبر تهريب سلع متنوعة من و إلى تراب البلاد بدون المرور بالمسالك الرسمية و دون دفع الإتاوات اللازمة.

۩ التخلف السياسي التونسي :

لم تتفطن السلطة التونسية لوجود إشكال سيادي كبير في علاقتها بالأمة: حصر مجال إمتداد هذه الأمة : بدايتها و حدودها … فإبن أبي ضياف أمين سر 04 بايات تونسيين و معاصر لعدد من الأحداث التي سقناها في المقال لم ينتبه لوجود هذا الإشكال.

و هذا مايبين قصورا في ماكينة إنتاج المثقفين و السياسيين في بلادنا و ربما ما يزال هذا القصور ماثلا في منظومتنا السياسية لحد تاريخ الساعة.

و يظهر هذا التخلف في :
1/ الوعي بالمتغيرات الدولية سياسيا و فكريا و عسكريا.
2/ الوعي بوجود تخلف سياسي في البلاد.

==> عدم التفطن لوجود إنخرام في موازين القوى متوسطيا و أن طرق التسيير و الإدارة و جوهر السياسة تغير في العالم و مكن العالم من ربح خطوات عملاقة على حساب دولتنا و شعبنا و هذا يقترح الإصلاح الفعلي و ليس القشري.
و ما تزال سياستنا تعاني من هذين المظهرين في الوعي بالمتغيرات الدولية و في الوعي بوجود تخلف سياسي يتطلب تصورات جديدة للدولة و لأجهزتها و لعلاقتها بالأمة و لتمثيليتها للأمة التونسية.

Hits: 1098

كلمات دليلية
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الأمة التونسية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.